separator

تفسير هو – حضرة بهاءالله

﴿ تَفْسِيْرِ هُوَ ﴾

هَذَا مَا نُزِّلَ مِنْ جَبَرُوْتِ العَظَمَةِ بِلِسَانِ العِزَّةِ

وَالرِّفْعَةِ فِي حَقِّ مِرْآتِهِ القُدْسِيَّةِ وَالنُّورِ الأَزَلِيَّةِ

أَنْ يَا ذَلِكَ الهَيْكَلُ قَدْ خَلَقْنَاكَ عَلَى تِلْكَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وجَعَلْنَاكَ كُلَّ شَيءٍ فِي أَسْمَاءِ الَّذِي يُشِيْرُ إِلَيْنَا بِذِكْرِ هُوَ لِتَكُونَنَّ آيَةً مِنْ لَدُنَّا عَلَى العَالَمِينَ أَنْ يَا أَيُّهَا السَّائِلُ اسْمَعْ مِنِّي ثُمَّ اقْبَلْ وَصِيَّتِي لِأَنَّكَ لَنْ تَجِدَ لِنَفْسِكَ صَدِيقًا أَحْسَنَ مِنِّي ولَا مُحِبًّا أَرْفَقَ عَنِّي في أوّل الأمر فالبس على هيكلك رداء الرّوح ثمّ على هيئتك ثياب النّور وقدّس بصراك عن الحجبات الغيريّة ونزّه أذناك عن الكلمات المتشابهة الإفكيّة، طهّر قلبك ونوّر فؤادك ونظّف صدرك لتكون قابلا لتجلّي شمس البقاء ولائقا لتحكّي قمر العماء لتقدر أن تسمع وترى ما رنّت ورقاء الألوهيّة على أفنان شجرة الرّبوبيّة وكيف ظهرت نار المحمّرة من هذا الغصن المخضرّة وكيف جرى ماء الأحديّة في هيكل الإلهيّة لتدخل مدينة الحيّ الحيوان الأزليّة وتكون باقيا فيها بدوام الأبديّة السّرمديّة

فاعلم بأنّ الله تبارك وتعالى خاطب مرآته في هذه الآية النّازلة من عنده بأن يا ثمرة الأزلي وقمص الرّبّاني وهيكل القدماني والشّجر الصّمداني قد خلقناك على تلك الأسماء الحسنى أي جعلناك كلّ الأسماء ممّا ظهر وطلع وألاح وأشرق من جبروت الأعلى وملكوت الإنشاء من أسماء الحسنى الّتي نسبناها إلى أنفسنا لأنّه عزّ ذكره أسماء الّتي نسبها إلى نفسه هي من أسماء الحسنى والآيات الكبرى مثل العلم والقدرة والحيوة والرّفعة والعظمة والسّلطنة والعزّة والقوّة والسّطوة والرّأفة وأمثال ذلك الأسماء ممّا ظهرت في قمص العبارات والإشارات والدّلالات ونسبها الله إلى نفسه وجعل مظاهرها من حروفات العلّيين وهياكل المقدّسين وأنوار المخلصين وجواهر المسبّحين وظهرت تلك الأسماء المقدّسة من هذا الهياكل المجرّدة العمائيّة ليستحكينّ الكلّ في مراتبهم عن الله موجدهم وبارئهم وخالقهم ومبعثهم ومحدثهم وجاعلهم ليملأ الآفاق من أنوار ذلك الإشراق وتغنّ بلبل الوثاق في حين التّلاق بعد الّذي انصعق وأفاق بأنّه هو الحقّ لا إله إلّا هو وأنّ عليّا منبع ذاته ومعدن علمه ومكمن أمره ومصدر فعله في كلّ ما ظهر ويظهر وخلق ويخلق ومن دون هذه الأسماء الّتي تذكر من غير أسماء الحسنى ما نسبها إلى نفسه ولا تنسبها بذاته وكذلك كانت سنّته من قبل الّذي لا قبل له ومن بعد الّذي لا بعد له وإلّا كلّ الأسماء خلق في ملكه وهندسة في مملكته وظهورات في بلاده وشئونات بين عباده وإشارات في أرضه ودلالات في خلقه وهل من خالق غير الله وهل من موجد غير الله وهل من موجود لم يكن فيه من آيات موجده أو لن تحكي من ظهورات بارئه فتعالى عمّا يقولون العباد في ظهورات صنعه وشئونات خلقه وكذلك وصف الله أسمائه لعباده وحدّد لنا بجوده وقدّر علينا بفضله لنعرف سبل الحقّ والهداية من الكفر والضّلالة وما لنا أن نبدّل حرفا من عندنا وما من أمر إلّا بعد إذنه وما من شيء إلّا وقد فصّل حكمه وقدّر مقاديره من لدنه ليسهل علينا السّلوك في مناهج أمره وسبل حكمه

فآه آه كيف أقدر أن أذكر ما أردت منّي كأنّي نسيت كلّ الأذكار يا أيّها السّائل فو عزّة ربّي لو تطّلع على سرّي لتبكي على حالي ولا تسكن في بيتك بل تفرّ إلى قلل الجبال قل يا أهل الملأ من معشر البيان لا تتعرّضوا بالّذي لم يكن في قلبه إلّا تجلّي من أنوار صبح العماء اتّقوا الله ولا تتعرّضوا به ولا تفتروا عليه ولا تغلوا فيه فاسلكوا في مناهج رحمة الله ثمّ امشوا في سبل هدايته ولا تتّكئوا إلّا عليه ولا تتوسّلوا إلّا به ولا تتّبعوا إلّا بما نزّل عليكم وقدّر لكم وقل إنّه لصراط الأعظم والنّور الأكرم والرّوح الأفخم من أطاعه فقد نجى وأمن ومن أعرض بغى وكفر فو عمرك لو تهيّج رايحة المحبّة من هذه المدينة الطّيّبة الباقية لتنعدم سموات المعرفة وتنهدم أرض الصّمديّة وتظلم شمس الهويّة وتضطرب حوت الأحديّة وتندكّ جبال القدسيّة ويجمد ماء العذبيّة إذا فاستمسك بهذه العروة الدّرّيّ ثمّ ادخل في مدينة المعاني لتشمّ رايحة الرّوحاني عن قمص السّبحاني لتكون مستبصرا في أمر الله ربّك وتعرف شأنه في كلّ شئون ومستحكيا عن شمس تجلّيه ومسترضيا بقضائه ومصطبرا في بلائه بحيث لا يحزنك عمّا فات عنك وعن كلّ ما جرى عليك في أيّامك

أن يا أخي فاستعن بالله ثمّ اقبل إليه بكلّك ولا تلتفت إلى أحد ولا تخف من نفس ولا تكدّر من شيء لأنّ الدّنيا وزخرفها وآلآئها ونعيمها وكلّما فيها وعليها وبها لتفنى ولا بقاء لها ولا دوام فيها واتركها لأهلها واطلب من ثمرة الطّيّبة الّتي تنبت من شجرة طيّبة مباركة وتؤتي ثمرتها في كلّ حين ولا نفاد لها ولا زوال فيها لأنّ نعيمها باقية لا تقطع وقطوفها دانية لا تمنع وأنوارها مضيئة لا تظلم وثمرها باقية لا تسقط وشمسها مشرقة لا تكسف وقمرها منيرة لا تخسف وروحها دائمة وطيبها طاهرة وطعمها بالغة وعزّها قديمة وإنّك أنت يا أيّها السّالك في منهاج العزّ والتّقى والسّائر في صراط ربّك الأعلى لو تقبل منّي ما وصّيناك لتصل إلى كلّ ما وعدناك وتشهد ما لا شهد أحد من قبلك إن لن يمنعك الشّيطان عن سبل الرّحمن توكّل على الله ولا تخف فادخل بإذن الله في مدينة فؤادك في حين غفلة من نفسك وهويك لتشهد أسرار الرّبوبيّة في هيكل الأزليّة وتدرك كلّ خير من هذا القمص المنير فطوبى لك فطوبى لك لو تعرف ممّا أشرناك وتحصد من خضر السّنبلات الّتي زرعناها في أراضي الإشارات لئلّا يأخذك شداد الأمر في يابسات الأيّام لتكون من الّذين استنار وجوههم بنور الله واستضاء قلوبهم برحمة الله فيا لله يا أخي إذا فاخلع قميص الخلقة العتيقة عن هيكلك ثمّ البس رداء التّقديس وثياب التّنزيه ثمّ ألق ما لك وعليك ممّا يحجبك عن اللّقاء في عرش البقاء ويمنعك عن الدّخول في حرم الكبرياء ثمّ افرغ نفسك عن كلّ ما تهوى به الهوى وغسّل روحك من هذا الماء الّذي جرى من بحر العماء على هذا اللّوح الدّرّيّ البيضاء لتفرغ فؤادك وتستريح روحك وتسكن قلبك وتطمئن نفسك وإن كان لك سمع وتسمع منّي وبصر وتبصر به عنّي وقلب تفقه منه نور ربّي تترقّى من ذلك إلى قطب الأسفار وتنزع عن جسدك كلّ الأثواب والحجبات والإشارات لتكون عريّا حين لقائك ربّك وحين ورودك عرش الجلال في مكمن الجمال

أن يا أخي فوربّي أكرّر قولي فيك وأجدّد بما فيه عليك لتجدّد روحك وقميصك وردائك وجسدك ونفسك مع ضعفي وعدم صبري واصطباري في الإشتغال بمثل تلك الكلمات المؤتفكات وبهذه الحروفات المزخرفات كأنّي ارتكبت كلّ الذّنوب بين يديّ الله ربّي وإنّي لمّا أجد في قلبي حبّ ذاته وشغف جماله ووله نفسه لأذكره على حدّ الّذي أنت تجده وتعرفه وإلّا ما أقدر على التّكلّم والبيان وكيف أتكلّم بعد الّذي ضرب على فمي من أيادي الغلّ والنّفاق وورد عليّ ما لا يدركه أحد ولا يحصيه من نفس بحيث ما بقي من رمح إلّا وقد ورد على صدري وما ترك من سيف إلّا وقد وقع على رأسي وما خلق من سهم إلّا وقد نزل على كبدي مع كلّ ذلك كيف يقدر أن يطير هذا الطّير الصّمداني في حديقة المعاني وكيف يقدر أن يحصي جواهر العلم من زبر السّبحاني كأنّي احتجبت من سبعين ألف حجاب من الظّلمة وبقيت متحيّرا في أمري بحيث لبست قميص الجهل بين العباد لئلّا يعرفني أحد من البلاد لعلّ يرفع أياديهم من رأسي وجلست في البيت واتّكلت على الله وأقول: أن يا أهل الملأ هل من معين يعينني وهل من راحم يرحمني وهل من مونس يؤانس معي وهل من ناصر يدفع شرّ المفسدين عنّي ويسدّ أبواب النّفاق على وجهي إذا لمّا لا أجد لنفسي ناصرا ليشاركني في بلائي ويرافقني في بكائي أحبّ بأن أبكي بذاتي لذاتي وأنوح بنفسي لنفسي وأضجّ لمحروميّتي وأصح لمظلوميّتي وأصرخ لذلّتي حتّى لا يبقى منّي من شيء ولا من أثر ولا من ثمر لعلّ يبعث الله من يحبّني ويريدني ويقرء كلماتي ويبكي على حالي لأنّ عليه توكّلي وبه توسّلي ومنه طلبتي وإليه مناجاتي وتضرّعي وتصرّخي وضجيجي وافتقاري

ثمّ اعلم يا أيّها السّائل بأنّ للإسم مراتب ومقامات وإشارات ودلالات وفي مقام لن يشهد في الإسم إلّا تجلّي المسمّى وفي مقام يكون نفس المسمّى وحقيقته ونفسه وكينونته وفي مقام يكون المسمّى وفي مقام يدلّ على المسمّى وفي مقام يطوف حول المسمّى لكلّ ذلك مراتب ومظاهر ومطالع كلّ يتحرّكون في أراضي أمره ويمشون في سبل إرادته ويذهبون في مناهج فعله ولكلّ مقادير عند ربّك وميقات عند بارئك فيما قدّر من عنده وقضى بإمضائه وفي مقام يكون الأسماء قميص الصّفات لأنّ الصّفة فعل يظهر من الفاعل مثل إعطاء الشّيء أو غلبة الشّيء على الشّيء وكذلك كلّما يظهر من الفاعل في مراتب مشيّته وقدرته وهذا الفعل يظهر من أثر فعل الّذي يحدث من الفاعل ولمّا أراد الله أن يظهر هذا في مملكته ويشهره في أرضه ويبرهنه في بلاده ويجعله كلمة باقية وآية واضحة يلبسه قميص الأسماء مثل ما أنتم تقولون هذا كريم وهذا بصير وهذا خبير وأمثال ذلك الأسماء ممّا تطلق وتذكر في ألسن أهل الإنشاء وإن لن تسمّى بهذه الأسماء لن يعرف ولن يظهر ولن يشهر وكذلك فاعرف كلّ الشّئونات العلمية من هذه الحجبات الحدّيّة ليظهر لك أسرار القضائيّة في عوالم القدريّة وإنّك أنت لو تخرق الحجبات وتحدّ بصراك في كشف الحدودات لتشهد بأنّ الأسماء مفقود في رتبة الذّات ومعدوم عند تجلّي طلعة الصّفات في مظاهر الآيات ومطالع العلامات بل توجد كلّ الأسماء بمشيّة من عنده وكلّ الصّفات تبعث بإرادة من لدنه ويطوفنّ كلّ في حول ذاته ويدورنّ في فناء قدسه إذا يا أيّها الطّالب السّالك فاشرب من هذا الكأس الّذي ملاء من عناية رحمة الله لئلّا يأخذك الظّمأ في سرمديّة ملك الله وإنّك أنت لو تقول هل من مزيد ذلك شأن لمن كان في السّبيل وإلّا من وصل إلى قطب الهويّة ومركز الغيبيّة لن يعرف البداية من النّهاية ولا الظّمأ من السّقاية وقوله عزّ ذكره قد جعلناك كلّ شيء في إسمنا الّذي يشير إلينا بذكر هو أي أشرقنا نورك في كلّ شيء وأودعنا آية قدرتك في كلّ شيء وأظهرناك فوق كلّ شيء في هذا القميص الأحديّة الّذي لن تحكي إلّا عن الله ربّ الخلق والبريّة ليعبدون كلّ بارئهم في هذا الصّراط المستقيمة وهذا النّهج الرّفيعة القديمة وإنّه جلّ وعزّ جعل مرآته كلّ شيء موجود بوجوده بحيث لن يشهد في كلّ شيء إلّا آية تجلّي ذلك المرآت المدلّة المستحكية ولولاه لن يثبت حكم الشّيئيّة على الشّيء وحكم الوجود بل يصدق عليه حكم العدم والفقود ولن يقبل من شيء شيء إلّا بعد طاعته مثلا إنّك اليوم لو تعبد الله بتمام قدرتك وتمام مكنتك وتسجده من أزل الأبد إلى الأبد السّرمد ولن تؤمن به لن يتمّ إيمانك ولم يطلق عليك حرف الإيمان ولن يصدق عليك حرف الإيقان

ثمّ اعلم بأنّ الله تبارك وتعالى لمّا خلق السّموات ومن فيهنّ والأرضين وما عليهنّ اصطفى من كلّ فيما خلق ويخلق هذه الدّرّة الملكوتيّة والرّوح الجبروتيّة والكلمة الجامعة اللّاهوتيّة والنّور الأحديّة الأبديّة وجعله في مقام كلّ شيء لمّا آمن بالله وخضع لجنابه وخفض لحضرته ونجع لسلطنته وبسط جناحين الإذعان لأمره كأنّ كلّ الوجود آمن بالله وآياته لأنّ الوجود لن يطلق إلّا على هذا الهيكل الإلهيّة وإن لن يؤمن من دونه أحد من أهل السّموات والأرض لن ينقص من سلطنته من شيء وإن يؤمن به كلّ ذلك ما يزيده من شيء ولذلك نزل من قبل إن تكفرون أنتم ومن على الأرض جميعا إنّ الله لغنيّ حميد فوربّي الآن بمثل ما قد كان لن تجد لسنّته من تبديل ولا من تحويل

ثمّ اعلم بأنّ الله في هذه الآية القدميّة الأزليّة قدّر كلّ الأسماء في كلّ شيء ثمّ حدّد كلّ شيء في اسم هو وجعل لذلك الإسم ظاهرا وباطنا ليدلّ ظاهره عن هيكل الألوهيّة وهيئة الرّبوبيّة وقميص الأزليّة وباطنه عن غيب الهويّة وسرّ الأحديّة والذّات البحتة القديمة وعبّر عن الباطن بالهاء وعن الظّاهر بالواو ولمّا أراد أن يظهر جماله في جبروت إجلاله استقرّ هذه الهاء الغيبيّة القديمة على ذلك الهيكل العرشيّة الأزليّة إذا تمّ جمال الهويّة في هيكل النّوريّة واستكمل خلق البديع في رداء الكبريائيّة وجعل هذا الإسم أعظم الأسماء وأكبرها وأجلّها وألطفها وأعلاها بحيث جعله مرآتا لكلّ الأسماء والصّفات لتستمدّنّ الكلّ به إلى الله ويستضيئنّ بنوره ويستهدينّ بهدايته ويسلكنّ في رضائه ويطوفنّ حول جنابه وإنّك أنت يا أيّها السّائل إذا استنشقت حينئذ رايحة الرّوح عن قميص البقاء واستشممت روايح الطّيب عن مدينة العماء فيما دعوناك إلى جانب الشّاطئ الأيمن عن يمين بقعة الأحديّة وقلّبناك عن شمال الحدّيّة إلى الطّور الصّمديّة لتشهد كلّ الأسماء والصّفات يطوفنّ حول ذلك الإسم الأعظم وتعرف كلّ شيء في ظلّ هذه الرّسم الأقدم الأقوم وترى بأنّ تحرّك في ظلّه بحور الأسماء والصّفات بحيث لا أمد لأوّلها ولا نفاد لآخرها كلّ يسبّحنّ بإسمه ويقدّسنّ بنفسه ويطوفنّ حول ذاته ويدورنّ حول حضرته ولم يكن شيئا لا في السّموات ولا في الأرض إلّا وقد يكون في ظلّ إسما من أسمائه مثلا أنت لو تشهد العلم من ذي علم لتوقن بأنّ ذلك العلم قد ظهر من أثر تجلّي اسم الله العليم وإن تنظر القدرة من ذي قدرة لتعرف بأنّ هذه القدرة ذوّتت من أثر تحكّي اسمه القدير وكذلك ارتفاع السّماء في ظلّ اسمه الرّفيع وضياء الشّمس في ظلّ اسمه المضيء وسكون الأرض في ظلّ اسمه المسكن وجريان الماء في ظلّ اسمه المجري وهبوب الرّيح في ظلّ اسمه المرسل إذا يا أيّها الجالس على فلك العناية فاشرب من هذه الخمر الحيوان العذبيّة ثمّ عرّج بجناحين الياقوت إلى عرش الجبروت لتعرف كلّ القواعد على هذه القاعدة الكلّيّة الإلهيّة ليسهل عليك السّبيل من كلّ الطّريق فإنّك أنت لو تقدر أن تعرج من هذا الوطن التّرابي إلى الوطن الأصليّ الإلهي لتسمع نغمات هذا الدّيك الأبديّ كيف يغنّ بلحن الورقاء في ملكوت الأعلى لتلتذّ من مائدة الّتي نزّلت حينئذ من السّماء

فاعلم بأنّ الله جمع كلّ الذّوّات والآيات والجواهر والمعاني وكلّ الصّفات والأسماء والحقايق والبيان في قطن منسوج وألبسه على ذلك الهيكل القدسيّة الإلهيّة ليحكي بهذا القميص عن يوسف العزيز ولو تريد أن تتّضح عليك الأمر على أشدّ إيضاح مبين وأعظم تبيان يقين فاعرف مقام هذه الحرف الإلهيّة في مقام المثل مقام السّراج كما أن السّراج إذا يوقد ويشتعل في المصباح يضيء حوله وأطرافه وجهاته وكذلك فاعرف هذه الهاء القدميّة إذا توقد في مصباح الواويّة أي هيكل الأزليّة يستضيء به السّموات ويستنور به كلّ الأسماء والصّفات وكلّما يطلق عليه حكم الشّيء من أقصى مراتب المخلوقات إلى أدنى منازل المذكورات ويستحكينّ كلّ عن هذا السّراج النّوريّة في هذه المشكوة الأحديّة على قدر مراتبهم ومقاماتهم ومظاهرهم وأنت يا أيّها السّائل لو تنزّه عيون قلبك وفؤادك عن مشاهدة السّراج والمصباح والعالي والدّاني وعن البعد والقرب وعن كلّما ظهر في ملكوت الأسماء وجبروت الصّفات لتشهد كيف يستضيء هذا السّراج الأزليّة لذاته بذاته وتوقد بنار نفسه لنفسه لتكون من الّذين هم عرفوا مواقع الأمر وموارد العلم ووصلوا إلى ما أراد الله لهم بهم فيا روحا لو تجد عين الحيوة الّتي سترناها في ظلمات الكلمات أن تكون من خضر الأمر فاشرب منه ولا تخف لتدخل في هذه المدينة الأبديّة ويطفح عليك من هذه الأنهار الصّمديّة الأزليّة

إذا فاعرف يا أخي بأنّي فسّرت كلّ الآيات والعلامات وكلّ الكتب المنزلة والصّحف المتقنة والزّبر الواردة النّازلة لأنّا استدللنا وأثبتنا من قبل بأنّ كلّما أنت تشهد في السّموات والأرض لم يكن إلّا من تجلّيّات اسم الله وظهورات صفاته وشئونات سلطنته وبروزات قدرته لأنّ الذّات بذاته لن يظهر على شيء ولن يدرك لشيء ولن يعرف بدون شيء لم يزل كان غنيّا عن إدراك خلقه ومتعاليا عن عرفان عباده لأنّه غيب منيع ممتنع منيع ومتعالي مرتفع رفيع مقدّس عن العرفان ومنزّه عن الوصف والبيان قصرت أيدي المقدّسين عن الوصول إلى معرفة ذاته وزلّت أقدام العارفين بالإستقامة على إدراك كنهه فلمّا سدّ على وجه العباد معرفة الذّات فتح لهم أبواب الأسماء والصّفات إكمالا لعنايته وإبلاغا لفضله ورحمته وقدّر لمن أراد معرفته بأن يرجع البصر في مظاهر الصّفات في قمايص أسمائه لأنّ الذّات إذا يظهر لم يكن بذات ولن يطلق عليه هذا الإسم لأنّها لمّا كانت مكنونة في كنز الغيب يذكر باسم الذّات ومع هذا الوصف وصف بأنّها لن يدرك بغيره ولن يوصف بدونه ولن يدرك بسواه وإذا ظهر منها تجلّيا أو صفة يدخل ويرجع في ملكوت الأسماء والصّفات كما شهد بذلك ما نزل من عرش البقاء كنت في قدم ذاتي وأزليّة كينونتي عرفت حبّي فيك فخلقتك وألقيت عليك مثالي وأظهرت لك جمالي وهذا المثال والجمال ما ظهر إلّا من تجلّي حضرت الذّات في مراياء الأسماء والصّفات كما فصّلنا حكمها من قبل وإنّي حينئذ يا أخي قد ذكرت وألقيت عليك كلّ المواقع الإسميّة في مطالع الصّفتيّة وما يرجع إليها وينتهي بها بأكمل بيان بليغ وألطف تبيان منيع فإذا ثبت كلّما أشرناك من دقايق اللّاهوت وأسرار الجبروت ليثبت بأنّي فسّرت لك كلّ المعاني والبيان وكلّما يطلق عليه اسم أو رسم أو ذكر أو وصف أو ظهور أو بطون وكلّما جرى على اللّسان ولن يجري على البيان مع كلّ ذلك فوالّذي نفسي بيده عندي لكنوز المعاني في هذه الحرف الصّمداني ولا أقدر أن أرشح طفحا من هذا البحر الأحديّة وهذا الطّمطام المتموّج الصّمديّة كأنّي ما فسّرتها بحرف على لحن الّذي أعطاني الله من ألحان طيور العلى في رفارف البقاء فوالله لو أذكر رشحا من معاني الّتي أودعها الله فيها لا يتحمّلوها العباد بل ينصعقون في الحين ولمّا كان الأمر كذلك فارض بما رضيت لك وألقيت عليك من جواهر العلم والحكمة ثمّ ادع الله ربّك بأن يلهمك كلّ المعاني والبيان في حرف من أسمائه لأنّه هو المقتدر على كلّ شيء والمتعالي فوق كلّ شيء ينفق كيف يشاء ويعطي كيف يريد

فسبحانك اللّهمّ يا إلهي إذا فأرسل على عبدك من أرياح محبّتك لأقيم بعيناي على خدمتك وإن تعطي وإنّك معطي السّائلين وإن تمنعني فإنّك مانع الطّالبين وأنت تكون حينئذ صاحب الإسمين في الفعلين ولا تبالي بأن تدعى بإسمك المعطي أو بإسمك المانع فإذا واحزناه عليّ وعلى عبادك ولكن عبدك يطلب ويرجوا بأن تظهر على الملك أمرا أخرى فإنّك فعّال لما تشاء ولم أدر يا إلهي إلى متى أودعتني في فم الثّعبان وتركتني في وادي الذّلّة والحرمان فوعزّتك قد وصلت الذّلّة إلى قطب النّهاية فارجع يا إلهي عيناك على هذا التّراب وبصراك إلى هذا الرّماد ثمّ افتح على وجه هذا الذّليل أبواب عزّتك وعلى هيكل هذا المسكين أبواب غنائك وعلى هذا الفقير حدائق عنايتك وأنوار عظمتك ثمّ أسكن هذا الطّير المطرود في جوار رحمتك وهذا المردود في ظلّ مكرمتك ثمّ أمطر عليه من سحائب فيض فضلك وغمائم غنائك أما تشهد يا إلهي كيف أطفئ السّراج في مشكوة قلبه ومصباح فؤاده وكيف سكنت حمامة صدره عن كفّات حبّه ودفّات ذوقه ورنّات شوقه حينئذ فانصف يا محبوبي هل شهدت بمثلي مظلوما أو كشبهي محروما أو ككفوي ممنوعا فوعزّتك ما أحصيت ولن تحصي لو تفحّص في ملكوت السّموات والأرضين بجنود غيبك العالين وهياكل أسمائك المقرّبين فسبحانك سبحانك إنّي لديك من التّائبين المستغفرين وإنّي بفضل الله وجوده أريد أن أركب على البُراق الحمراء وأسري بها في سماء السّناء حتّى أصل إلى رفرف العماء وسدرة المنتهى وشجرة القصوى وأفسّر هذه الحرف الإلهيّة في الملأ الأعلى ليكفّن بذلك حوريّات البقاء في غرفات البيضاء ويدفن أطيار القدس على أغصان دوحة الوفاء لعلّ يندكّ هذا الجبل الصّمّاء في أنفس الصّفراء ويظهر فيه من آيات ربّه الكبرى

فاعلم بأنّ لهذه الحرف الباطنة والنّور الهويّة وسرّ الأحديّة مراتب ومقامات لا يحصيها أحد إلّا الله ربّك ربّ كلّ شيء وإنّها لحرف فيها بحور المعاني مكنونة وجواهر العلم مخزونة وإنّها في ظاهرها يحكي عن كلّ شيء حين الّذي كانت منزّها عن كلّ شيء وبها استظهر الظّواهر في ملكوت الإبداع واستبطن البواطن في جبروت الاختراع كأنّ بحور القدم تموّجت في هذه الحرف المعظّم والرّمز الأكرم الأقوم ولم يكن في شيء إلّا وقد يستمدّ ظاهره عن ظاهرها وباطنه عن باطنها وبها متعلّق كلّ من في السّموات والأرض بحيث تكون آية تجلّيها في كلّ شيء وما من شيء إلّا وقد يحكي عنها في مقامه وأنا حينئذ بفضل الله وجوده ورحمته وعنايته أذكر بعض مقاماتها في عوالم الظّاهرة المحدودة لتعرف بذلك مقاماتها المكنونة الغيبيّة المستورة على ما ينبغي لشأنك ويليق بقدرك وإلّا ما قدّر الله حقّ قدرها لأحد لأنّ الأرض جميعا في قبضتها والسّموات مطويّات بيمينها والآيات مأخوذات بقدرتها والأنوار مشرقات بقوّتها والأرواح مرسلات بعنايتها والطّلعات مغشّيات من سطوتها فسبحان الله عمّا قلت وأقول وأعرفت أو أعرف وأذكرت أو أذكر ووصفت أو أصف لأنّ كلّ ذلك يخلق حينئذ من هذا المداد الجارية على هذا اللّوح المنير كيف يكون دليلا لركن الهويّة وسبيلا إلى جمال الأحديّة في هيكل العلويّة على قميص المحمّديّة

فاعرف بأنّ مقام ظاهر هذه الحرف في الكواكب والأنجم مقام الشّمس ويحكي عنها في الحروفات والكلمات وفي الأركان الرّكن الأيمن وفي مراتب الفعل عن المشيّة وفي الأسطقسّات عن الحرارة وفي الفصول عن الصّيف وفي الأقدار عن الطّول وفي ظاهر هيكل الإنسان عن البصر لأنّ مقام البصر مقام النّار وفي باطن الإنسان عن القلب وفي المشاعر عن الفؤاد وفي الألوان عن الصّفر وفي العناصر عن النّار ولو إنّها في كلّ واحد من هذه المراتب يحكي عن كلّ المراتب والمقامات مثلا في حين الّذي يحكي عن النّار يحكي عن الماء وبها ظهرت النّار في عوالم الإبداع ويصطلون العباد من حرارة محبّة الله فلمّا شهد موسى الحبيب هذه النّار الموقدة من هذه الشّجرة الإلهيّة وجد في قلبه شغفا من حبّ الله بحيث أحاط الأنوار جهاته إذا خلع عن رجلاه نعلين الحدّيّة وخرج أيداه عن جيب الأحديّة سمع نداء الألوهيّة عن منبع الرّبوبيّة في بقعة المباركة عن يمين طور الهويّة: ﴿أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ العالمين﴾ حينئذ شرب كئوس البداية عن أيدي العناية ودخل في مدينة الحيوة الأبديّة وصار حيّا بحيوة الدّائمة الباقية وبذلك تطلق على هذه النّار حكم الماء وإنّك لو تقول هذا ماء حقّ لا ريب فيه وإن تقول هذه نار صدق ولا شكّ فيها لأنّ الحيوة من شأن الماء من يسقى منه يحيى إلى الأبد ومن يمنع يموت ومن هذا الماء كلّ شيء حيّ أفلا تبصرون ولمّا ظهر من هذه النّار في هذه الشّجرة حكم الماء يصدق عليه اسم الماء وأيّ ماء أعظم من هذه الماء العذبيّة وأيّ خمر أرقّ من هذه الخمر الجذبيّة وأيّ فرات ألطف من هذه الفرات السّايغة القدميّة والرّوح الأوّليّة والنّور المنبسطة والرّيح العمائيّة والشّجرة الأبديّة لأنّ هذا الماء قد جرى بإذن الله من عين الأحديّة فيما فجّر من جبل الهويّة وظهر على لون النّار في هذا الشّجر السّرمديّة لتعرفوا حكم الماء في حول النّار وحكم النّار في قطب الماء كما شهد بذلك ما نزل من عرش الهويّة فإنّ اليوم حينئذ في مطلع من الزّوال في حول الماء على الماء حول النّار قد كان مرئيّا وكذلك إن تطلق عليها حكم الأرض صدق لا شبهة فيه لأنّ بها تسكن النّفوس من اضطرابها وتستقرّ القلوب من اهتزازها وتزلزلها وبها تستريح قلوب المنيرة النّاريّة على هذه الأرض المباركة المطهّرة وتستقيم الرّجل على إقامة أمر الله المتعالية المقدّسة والسّكون كان من شأن الأرض لأنّ الله جعلها مقرّا ومسكنا لإستقرار ما فيها وعليها وبها ولها ولذلك يجري عليها حكم الهواء لأنّه كما أنّ من الهواء تهبّ أرياح الظّاهريّة الجهتيّة وكذلك منها تهبّ أرياح المسكيّة الرّوحيّة ونفحات القدسيّة الأزليّة وروحات الطّيّبة النّوريّة أما تشهد كيف حرّكت هذه الرّيح الأزليّة هذه النّفس المطمئنّة وفارقها من أرض الحدّيّة ووصلها إلى قطب الهويّة ومركز الرّبوبيّة إذا تمّ عناصر الوجوديّة من هذه الحرف المقدّسة الأزليّة فلمّا شرب موسى البقاء ماء الدّرّيّ البيضاء عن هذه النّار الحمراء وسكن قلبه على أرض الرّوح في قطب الهاء قُلْزُم الصّفراء هاجت عليه أرياح الوفاء عن عرش اللّقاء إذا أكمل خلقه وأضاء وجهه وسكن اضطرابه واطمئن قلبه وعرف نفسه واستأنس بأنوار اللّاهوت وشهد فجر الهويّة في مصباح الجبروت وأضاء من شمس الملكوت في أرض النّاسوت وظهر عن وجهه جمال الكبرياء في رفرف البقاء لفنائه فيه وبقائه به وإنّك أنت لو تريد بأن تقتدي بهذا النّور في هواء القدس في سماء هذا الظّهور فتوكّل على الله وقل بسم الله وبالله ثمّ أخرج يداك عن جيبك وخذ من هذه النّار المشتعلة الملتهبة ولا تخف لأنّها في ظاهرها نار ولكن في باطنها نور ورحمة يهدي الله بهذا النّور من يشاء من خلقه ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا إذا قد طلع وجه العناية وأشرقت شمس الهداية وتمّ خلق الأحديّة وكشف القناع حوريّة الجماليّة وظهرت عن قصور المشيّدة في غرفات الرّضوانيّة وحكت مرآت الأحديّة عن سراج العلويّة ومصباح الصّمديّة عن مشكوة العمائيّة وكمل خلق كلّ شيء بما استوى الرّوح على سماء النّوريّة فوالله يا أخي كلّما ذكرت من هذه الكلمات والعبارات والإشارات والدّلالات من ذكر العناصر والأركان والكواكب وما يشبه بذلك يطلق ويذكر في مقامات الذّكر والبيان والوصف والتّبيان لأنّ ذلك من شأن الإنسان ومقامات الذّكر على اللّسان وإلّا فوالّذي نفسي بيده خلق من هذا الحرف الصّمداني عناصر الألوهيّة ومشاعر الرّبوبيّة وأركان القدميّة والفصول الإلهيّة والشّموس الجماليّة والنّجوم العمائيّة بل ذوّت منها ما يذكر باللّسان ولا يدرك بالعيان إلّا في يوم تجدّد فيه مشاعر الإنسان من عند الله المقتدر العزيز المنّان حينئذ ينزل عليكم ما لا يذكر في تلك الأيّام ويفتح عينكم أبوابا أخرى لأنّه هو فعّال لما يشاء فيما يشاء وتجدون فواكه طيّبة جديدة من شجرة جديدة بديعة وتدخلون جنّة ربّكم الرّحمن وتلتذّون فيها بدوام أزليّته وبقاء صمديّته وقدم سلطنته وكذلك فاعرف أسرار الهويّة في هذا السّرادق المنيرة المقدّسة فوالله يا أخي قد أتممت القول عليك وأكملت النّعمة لك وما بقي من حرف إلّا وقد ألقيت بك وما طرحت من كلمة إلّا وقد استدللت عليك وما من نور إلّا وقد أشرقت لك وما من شمس إلّا وقد أطلعتها إليك وما من روح إلّا وقد أرسلتها بك وإنّك أنت إن تكون من سيّارة العماء فالق دلو المعاني في هذا البئر الصّمداني وإن وجدت غلام الحزن على هيكل الخيط في قمص الدّم لا تبعه بدراهم معدودات من أنفس محدودات فاجعله بضاعة على الملك لئلّا تكون في مصر البقاء عند عزيز اللّقاء بالظّلم مكتوبا إذا فانصف يا عبد هل يبقى من شيء لا في السّموات ولا في الأرض ولا في الغيب ولا في الشّهادة إلّا وقد فسّرت لك وبيّنت عليك من ألحان طيور القدس وتغنّيات حول العرش لعلّ يستشرق عليك شمس الإنصاف في هذا المصاف لتكون منصفا في أمر الله وأمر أحبّائه وأصفيائه حينئذ فانصف بالله يا عبد هل تجري من عيون المكدّرة من هذا الماء الرّقيقة اللّطيفة أو يوقد من شجرة الرّديّة من هذه النّار القديمة الإلهيّة أو من أراضي الجرزة من هذه الثّمرة الطّيّبة الباقية أو من ألسن الكلّيّة من هذا التّغنيّ اللّاهوتيّة الورقائيّة أو من قلوب الميّتة من هذه الأذكار البديعة الجذبيّة قل أما تشهدون كيف استرفعت سحاب العناية وتمطر من كلّ الجهات غيوث الفضل والعطوفة إن وجدتم في أنفسكم عطش الحبيّة من وجه المنيرة الرّبانيّة الأزليّة فاشربوا من هذا الماء الجارية الهاطلة لتسكن نفوسكم وبرد فؤادكم وتروّح قلوبكم وأجسادكم وظاهركم وباطنكم وأوّلكم وآخركم ولتسكنوا على أعراش قلوبكم وتشربوا من عيون المودعة في رقودكم وتشهدوا جمال الهويّة في مرات نفوسكم ومظهر ذواتكم ومطلع جمالكم حينئذ لمّا تمّ أسرار الهويّة في قميص الواويّة وكمل خلق البديع في هيكل الأزليّة أريد بأن أذكر عن النّار الّتي تحكي عن هذه النّار في عنصر التّراب لتشهد جراثيم الحكمة وعجايب القدرة في صنع ربّك وخلق بارئك

فاعلم بأنّك لو تأخذ من هذا الرّكن النّاري الّتي تنبت من شجرة هذا الطّور وتنظّفها على غاية التّنظيف وتغسلها من الماءالّذي تظهر من النّار المرشوشة في وجه السّحاب وتنزل من السّحاب المتراكم في الهواء وترجعها إلى أرض المطهّرة البيضاء الّتي ظهرت منها وتمزجها حتّى تكون شيئا واحدا ونفسا واحدة تظهر لك أسرار الأمر في هذا الملك الأعظم وتكون غنيّا عن كلّ من في السّموات ومستغنيّا عن كلّ من على الأرض وتصل بقدرة الله الأظهر إلى كنز الله الأكبر وإن تريد أن تصل إليه في سبيل أخرى تأخذ من هذا الماء الدّرّي البيضاء وتدبّره حتّى تجعل ظاهره باطنا وباطنه ظاهرا لتظهر دهنيّة الباطنيّة الّتي تكون في غياهب هذا الماء حتّى تصير دهنا منيرا لطيفا لا تحرقه النّيران ولا تضرّه نار الحسبان فيا عجبا من هذا الصّنع الكريم وهذا النّبأ العظيم لم يكن في الملك أكبر منه آية وأعلى عنه أمرا ولن يوفّق أحد بذلك إلّا من شاء الله من صفوته وخيرته من خلقه ومن كرام بريّته وفي عنصر التّراب ما حكى شيء عن هذه النّار الأحديّة وهذا النّور الهويّة إلّا من هذا الصّنع المكرّمة وهذا الرّمز المستسرّة والسّرّ المقنّعة والمستسرّ المغطّئة لأنّه في شيء واحد يظهر كلّ الطّبايع وتفصّل منه عناصر الأربع على ألوانها وطبايعها من الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة وإنّك أنت لو تطهّرهم وتمزّجهم يتمّ لك هذا الرّكن في هذا المقام وإنّه وإن كان ماء في لطافته وظاهر صورته ولكن نار في كينونته وطبيعته وأرض في يبوسته وهواء لكثرة ألوانه وظهوراته في مراتب التّدبير ويخرج منه ما يحرق كلّما في طبيعته ونفسه من برودات الزّائدة والرّطوبات غير المعتدلة المفسدة وإنّك لو تعرف هذا النّور الحمراء وهذه الأرض الدّرّيّ البيضاء وترجع هذا النّار الرّوحي المائي على جسد هذه الأرض الدّرّي ليتمّ لك المرام في ثلاثة أيّام ولو شاء الله يتمّ لك أقرب من ذلك في أقلّ من السّاعة ولكن فاجهد لتصرّف هذه الأرض المنيرة المعطّشة وتسقيه بهذا الماء الذّهبيّة الدّهنيّة المنوّرة لتشهد أسرار الرّبوبيّة في عنصر التّرابيّة وتعرف جواهر القدرة في سرائر الخلقيّة ثمّ اعلم بأنّ منزلة هذه الأرض منزلة العظم له روح ونفس وجسد كما تشهد في الإنسان وإنّك أنت لو تأخذ النّفس والرّوح وتطهّرها حتّى يصيرا كالياقوت الحمراء وتنفخ هذه الرّوح القدسيّة في جسد هذا العظم الميّتة ليحيى هذا العظم الرّميم بإذن الله ربّ النّور القديم ومالك هذا الرّكن العظيم لأنّ هذا الأمر من النّيرين الأعظمين وإنّك إذا عرفتهما وأخذت منهما على قدر حاجتك وتعدل طباعها بعد تفصيلها وتطهّرها وتزوّجهما وتمزّحهما حتّى يصيرا شيئا واحدا يتم لك كلّ الأعمال في كلّ المعادن ولم يكن في هذه الصّنيعة لأحد إلّا بهذا الرّكنين الأعظمين النّور البيضاء والنّار الحمراء وتدبيرهما سهل لمن وفّقه الله وأرشده على أمره وجعله من خزنة علمه وحامل وحيه وصاحب أمره ومعدن حكمه ومأمن سرّه ومكمن فيضه ومنبع جوده وإنّك أنت لو تجري هذه القاعدة الّتي ذكرناها لك في كلّ مراتب المعلومات من المعادن والنّباتات بعد إقبالك إلى الله وفنائك فيه وبقائك به لتصل إلى ما أراد الله لك بك من مكنونات علمه ومخزونات حكمته لأنّ هذه القاعدة من قواعد الّتي أحاطت الإمكان بنفسها والأكوان بجسدها لأنّ الأمر لم يكن إلا من تفصيل وتزويج وأنت لو تقدر على التّفصيل في كلّ ما في السّموات والأرض وتزوّج كلّها بعد التّطهير حتّى تكون شيئا واحدا ليظهر لك أسرار هذا السّرّ العظيم

وأختم القول بذكر الله العليّ وأقول إنّه الحقّ من الله العزيز الجميل والحمد لله ربّ العالمين

Audio Tablet audio

OV