separator

لوح الحورية – من آثار حضرة بهاءالله – آثار قلم اعلى، جلد ٢، ١٥٩ بديع، الصفحات ٦٤٧ - ٦٥٣

﴿ بسم الله الأقدس العليّ الأبهى ﴾

سبحانك اللّهمّ يا إلهي أذكرك حينئذ حين الّذي استشرقت شمس أُلوهيّتك عن أفق سماء سناء سيناء لاهوت أحديّتك واستشرقت أنوار ربوبيّتك من صبح عماء لقاء بقاء جبروت صمديّتك واستضائت ظلمات الملك من لمعان ضياء بداء ملكوت أمرك بحيث ذوّتت جنّة الفردوس فوق جنان عزّ هويّتك وغرست فيها أشجار كينونتك وأثمرت كلّها بأثمار ذاتيّتك وهبّت فيها نسمات روحك ونفحات قدسك وقدّرت فيها من جواهر نعمك وسواذج آلائك وكشفت فيها خزائن علمك وكنائز سرّك وجرت في أطباقها أنهار مجد حيوانك وأبحر عزّ بقائك وعيون خمر امتنانك فلمّا أردت يا إلهي إظهارها أرفعتها إلى عرش الكبرياء والعظمة وزيّنتها من أنوار القدرة والقوّة وتجلّيت عليها بكينونتك الأبديّة وأشرقت عليها شمس الأحديّة من أنوار وجهك القدميّة حينئذ جاء حكمك الأعلى على جبروت القضاء بالإمضاء لخروج طلعة منها ليظهر أنوار جمالك على من في أرضك وبهاء وجهك على من في جبروت أمرك طلعت حوريّة الّتي كانت في أزل الآزال في سرادق القدس والحفظ والجلال وفسطاط العصمة والعزّة والإجلال ومكتوب على جبينها البيضاء من المداد الحمراء والقلم الأعلى تالله هذه لحوريّة ما اطّلعت بها نفس إلّا الله العليّ الأعلى وطهّر الله ذيل عصمتها عن عرفان ملأ الأسماء في جبروت البقاء وجمالها عن أبصر من في ملكوت الإنشاء فلمّا طلعت بطراز الله عن قصرها لاحظت بطرفها إلى السّماء انصعقت أهل السّموات من وجهها وبسمات طيبها والتفتت بطرفها الآخر إلى جهة الأرض أشرقت الأرض من أنوار جمالها وحسن بهائها.

فلك الحمد يا إلهي على ما أشهدتني بدايع صنعك فيها وجوامع قدرتك في خلقها وعند ذلك علّقت وتعلّقت وسارت في السّماء كأنّها مشت على الخطّ الاستواء في قطب الهواء وكأنّي وجدت بأنّ سلسلة الوجود يتحرّك من حركة خطّها تحت رجلها ثمّ بعد ذلك نزلت وتقرّبت وجائت حتّى وقفت تلقائي وكنت متحيّرًا في لطائف خلقها وبدايع خلقها ووجدت في نفسي ولهًا من شوقها وجذبة من حبّها رفعت يدي إليها وكشفت ذيل القناع عن كتفها وجدت شعارها مرمولة مرغولة مجعدّة على ظهرها محلّقة معلّقة حتّى بلغت إلى قرب رجلها وإذا حرّكتها الأرياح إلى طرف اليمين من كتفها عطّرت السّموات والأرض من نفحاتها وإذا حرّكتها إلى طرف الشّمال تضوّعت رائحة المقدّسة المسكيّة من فوحاتها كأنّ بحركة شعرها اهتزّ روح الحيوان في سرائر الإمكان وجرت عيون العرفان في حقائق الأكوان.

فتعالى الله بارئها فيما أشهدني فيها فتبارك الله موجدها فيما شهدت من ظهورات القدرة من جمالها وشئونات القوّة من جلالها مرّة شاهدتها كأنّها ماء عذب حيوان سائغ سيّال يجري في حقايق الموجودات وغياهب الممكنات وأيقنت بأنّ كلّ الوجود كان باقيًّا ببقائها ودائما بدوامها ومرّة وجدتها نارًا وقدت في شجرة إلهيّة كأنّ عنصر النّار خلق من جذوة من قبساتها واحترقت أكباد الوجود من الغيب والشّهود من حرارتها ولهيبها إذا اهتزّت من لطائف شوقها وبدايع ذوقها كأنّ رائحة الرّحمن تضوّعت من منافذ ثوبها.

فسبحان الله موجدها ومحدثها ومبدئها ثمّ استقربت حتّى قامت أمام وجهي ونطقت بلحن على لحن الورقاء في جبروت البقاء كأنّها تنطق على اللّحن البديع عن غير كلمة ولا حرف ولا صوت كأنّ كلّ الكتب ظهرت في تفسير تغنّي من تغنّيات بدعها وإنّي عرفت كلّ المعاني في نقطة فمها فلمّا توجّهت بتمام كينونتي سمعت ذكر الله العليّ الأبهى من نغماتها واسم الله العليّ الأعلى من ترنّماتها حينئذ صرت مجذوبا مولهًا سكرانًا من بدايع لحنها رفعت يدي مرّة أُخرى وكشفت ثديا من ثدييها الّذي كان مستورًا خلف قميصها إِذًا أشرقت السّموات من تلئلأ نوره وأضائت الممكنات من ظهوره وإشراقه ومن نوره أشرق شموس لا نهايات كأنّهنّ يسترن في سموات الّتي ما قدّرت لهنّ بدايات ولا نهايات إذا صرت متحيّرًا من قلم الصّنع فيما رقم على هيكلها كلّها ظهرت على هيكل النّور في هيئته الرّوح ويتحرّك على أرض الهويّة في جوهر الظّهور ولاحضت بأنّ الحوريّات أخرجنّ رؤسهنّ عن الغرفات وكنّ معلّقات في الهواء فوق رأسها وصرن متحيّرات في منظرها وجمالها ووالهات من جذبات لحنها سبحان من كان هو موجدها وصانعها ومبدعها ومظهرها. إذا تكاد أن انصعق فيما استنشقت من رائح قدسها ووجدت من بدايع طرزها التفتت إِلَيَّ بتمامها وفتحت شفتيها أشرقت الأنوار من تلئلأ أسنانها كأنّ لئالئ الأمر قد ظهرت من كنوزها وأصدافها وقالت: من أنت؟ قلت: عبد الله وابن أمته قالت: أجد فيك من آثار الحزن الّذي ما شهدت في أحد دونك كأنّي أرى بأنّ الإمكان قد حزن بحزنك بحيث أجد سراج السّرور في مشكوة قلبك مخمودة وأنوار البهجة من مصباح سرّك مقطوعة أُقسمك بالله الّذي لا إله إلّا هو لا تستر عنّي ما ورد عليك فأطلعني لأطّلع في أمرك على الحقّ القيّم ولو كان أقلّ من الطّفح رشحًا. قلت لها: لا تسئليني في ذلك لأنّك لن تستطيعي أن تسمعي منّي في حزني ولو كان أقلّ من الحرف ذكرا ثمّ أُقسمك بالله المقتدر المهيمن القيّوم بأن ترفعي يديك عنّي واتركيني وحدة ثمّ ارجعي إلى محلّك في الفردوس ولا تسئلين فيما لا أقدر أن أذكر لك ولو كان أقلّ من الحرف رمزًا. فلمّا عرفت تزلزل سرّي وحنين قلبي وتصرّخ كينونتي واحتراق عظمي وترجّف جلدي واضطراب نفسي وتبلبل جسمي نادتني وقالت: أيكون لك من أُمٍّ لينوح عليك في بلائك؟ قلت: لست أدري ثمّ قالت: أيكون لك من أخت لتبكي في قضائك أو من ناصر ليعينك في ضرّك ويرافقك في وحدتك لها؟ فوحزني الّذي ما آتاه من سرور لا تسئليني من شيء فانظري إلى قلبي ليظهر لك ما تطلبين فناكست رأسها إلى جهة قلبي وكانت متفحّصة في تمام أركاني وجوارحي وعظامي وحشائي كأنّها فقدت شيئا وتطلبه من كلّ مكان فتفحّصت زمانا طويلا ورفعت رأسها حتّى بلغ إلى صدري رأيت انقلب حالها ويحرّك رأسها مرّة إلى اليمين ومرّة إلى اليسار وفي مرّة ارتدّت طرفها إلى السّماء بحسرة وحزن وفي مرّة لاحظت الأرض بحيرة وآسف وشهدت شفتيها يتحرّك كأنّها تتكلّم بحرف تحت لسانها توجّهت باذني إليها سمعت حنينًا ضعيفًا كأنّه ظهر من سرّ كينونتها في هويّة قلبها فلمّا قربت رأسي تلقاء فمها سمعت كلمات لا أقدر أن أذكرها ولو أذكرها فوالله لا يبقى شيء في الملك من حرقة سرّها واحتراق كبدها. وعند ذلك خاطبتني وقالت: يموت أمّك يا فتى ما شهدت أحد مثلك وما رأيت نفسا شبهك وقد طالت فيك حيرتي وحزني وزاد في أمرك اضطرابي يا ليت ما خلقت في لاهوت البقاء وما ولدت من نفحة الله في ميادين القدس في غرفات الأعلى وما شربت لبن الحيوان من عيون البهاء فوا حسرتا على ما عرفت وشهدت فو حزنا على ما أدركت وعلمت لأنّي كلمّا تفحّصت ما وجدت فيك من قلب لأطّلع منه أمرك. فلمّا سمعت رفعت رأسها ووجدت عينها فاضتا من الدّم كأنّ البحور ظهرت من قطرة من دموعها فلمّا وقعت عيناها على عيني قد أخذ البكاء زمام الصّبر عنها وضجّت بضجيج لن أقدر أن أذكره أو أصفه إلى أن بكيت ببكائها ورفعت يديها إلى كتفي ووضعت يدي إلى كتفها وبكينا بما لا عدّ له بحيت لا يحصيه زمان ولا أزل ولا أبد ولا حقب ولا عهد. فلمّا سكنت عن بكائها قالت: يا فتى أُقسمك بالّذي سخّر الأقلام في قبضته قدرتك وثبّت منهما ما شاء وأراد بأن تخبرني بما ورد عليك لأكون مصاحبة وذاكرة لبلاياك في الملأ الأعلى وجبروت الأسنى. قلت لها: يا حبيبي وعمري وعمرك لست أدري بأن أُفسّر لك فيما مسّني ولكن أنظري إلى كبدي لعلّ تجدنّ عنه ما يغنيك عمّا تطلبينه من سرائر سرّي الأخفى. إذًا نألت وقربت رأسها مرّة أخرى إلى جهة كبدي وتفحّصت زمانًا لا يذكر ذكره في جبروت الجلال ولا يحلّ بلسان أهل المقال وما وجدت منه من أثر إذا رأيت بأنّ الأرض تزلزلت من تزلزل سرّها وترجّفت من ترجّف قلبها وإنّها مكثت قبل زمان وبعد زمان وفوق كلّ زمان ثمّ رفعت رأسها وصرخت بصريخ انفرطت السّماء وانشقت الأرض وتزلزلت البلاد ونسفت الجبال ثمّ نادتني وقالت: مات أُمّك يا فتى حيّرتني في أمرك وأهلكتني في فعلك ما وجدت أحدًا بدون قلب ولا كبد فكيف بقيت باقيًّا على الأرض وتكون في الملك موجودًا وعند ذلك كانت ناظرة إِلَيَّ كما ينظر العاشق جمال المعشوق والحبيب جمال المحبوب إذا وجدتها مهتزّة في نفسها كأنّ نسمة الله من هذا القميص هبّت عليها توجّهت إليّ بظاهرها وباطنها وقالت: فوعمرك قد أجد منك رائحة المحبوب وأنت محبوب العالمين لو أنت هو لم تغيّر وجهك الجميل أهذا من ملأ الفرقان أو من أهل البيان فوا حسرة للخلايق أجمعين. فلمّا وجدت عرفها ورأيت إقبالها هديتها إلى نفسي فلمّا عرفت ضجّت وتزلزلت وناحت واضطربت وسقطت بوجهها على التّراب تلقاء رجلي. فلمّا توجّهت إليها وجدتها مطروحة على الأرض وفارقت الرّوح عنها كأنّها ما خلقت فيها إذا صرخن الحوريّات المعلّقات في الهواء وناحت الجوهريّات المطهّرات في العماء ورجعن كلّهنّ إلى قصورهنّ وسرادقهنّ وتركن ما قدّر لأنفسهنّ وخلق لذواتهنّ وإنّي كنت قائمًا على جسدها ومحزونًا بحزنها ومتحيّرًا من أمرها وحبّها فأخذتها وغسلتها من دموع عيني وكفنتها في ثيابي فعند ذلك قربت فمي تلقاء أذنها اليمنى وبشّرتها بما لا يقدر أحد أن يسمع منّي في حقّها. فلمّا ألقيت عليها اهتزّت من كلمة الله ثمّ إنّها بشّرتني بما لا ينبغي أن أذكرها أو أتنفّس فيها وبها فبعد ذلك أودعتها في أوعية القدس وأرجعتها إلى محلّ الأنس مقام الّذي قدّرناه لها كذلك نلقي عليكم يا ملأ الفردوس من رؤيا البقاء عبّروا لي إن كنتم لرؤيا الرّوح تعبرون.

OV