separator

لوح آية نور / تفسير الحروفات المقطعة – مائده آسمانى، ج٤، الصفحات ٤۹ – ۸٦

﴿ بسم اللّه البهي الأبهى ﴾

الحمد للّه الّذي خلق الحروفات في عوالم العماء خلف سرادقات القدس في رفارف الاسمى ثمّ أسقاهنّ من كؤوس البقاء فيما قدّر في ألواح القضاء ليحيي بهنّ أفئدة المقرّبين في جبروت الإمضاء ثمّ أقمصهنّ قميص السّوداء لِمَا قدّر بتقديره الأزليّة في مكمن القدر على قباب الحمراء فيما سبق العلم بأن يستر ماء الحيوان في ظلمات عوالم الأسماء عند سدرة المنتهى ثمّ أنزلهنّ إلى ملكوت الإنشاء في هواء القضاء إِذًا ظهر الصّوت عن مكمن الأعلى مخاطبًا للقلم الأولى بأن يا قلم فاكتب من أسرار القِدم على اللّوح المنير البيضاء إِذًا صعق القلم شوقًا لهذا النّداء سبعين ألف سنة عمّا تحصوه أولو الإحصاء فلمّا أفاق فيما رجع عليه حكم القضاء مرّة أخرى إِذًا بكى سبعين ألف سنة من مدامع الحمراء ثمّ وقف بين يدي اللّه في زمان ما سبقه حكم الأوّليّة في الإبتداء ولا يسبقه حكم الآخريّة في الإنتهاء فلمّا أحرق بنار الفراق لما انقطع نداء الأحلى ظهر في دموعه لون السّوداء في جبروت الوفاء ورشح قطرة من هذا الدّموع السّوداء على اللّوح إِذًا ظهرت النّقطة في عالم البَداء وتجلّت هذه النّقطة بطراز الأوّليّة على مرايا الحروف في كينونات الأسماء إِذًا استقبلها الألف قبل كلّ الحروفات في ذَرِّ الأشياء وفصّل هذه النّقطة الإلهيّة في طراز هذا الألف الأزليّة فيما هبّت عليه نسمات الرّحمانيّة عن مصدر الأحديّة إِذًا كشفت وجه الواحديّة عن خلف حجبات الخضراء وظهرت هيكل النّقطة على هيئة الألف وقام في اللّوح لقيامه على أمر اللّه العليّ الأعلى في عالم الصّفات والأسماء وهذا مقام الّذي تقمّصت كينونة المشيّة قميص الإسميّة وتخلّعت بخلع الصّفتيّة في مدينة الكبرياء فلمّا استقرّ هذا الألف القائمة على اللّوح النّوريّ تجلّى بتجلّي بدع أُخرى إِذًا لاحت حروفات المقطّعات في أوّل الظّهورات ليستدلّنّ على عوالم التّفريد والأمر في قصبات الإنشاء ثمّ ظهرت من هذه الحروفات الّتي لاحت وأشرقت من الألف الأوّليّة في أوّل الظّهورات عوالم التّحديد والكثرات فلمّا فصّلت وتفرّقت وتقطّعت ثمّ اجتمعت وائتلفت وتمزّجت وتزوّجت إِذًا ظهرت كلمات الجامعات والحروفات المركّبات في عوالم الخلق في هياكل الأسماء والصّفات إِذًا تمّ خلق عوالم الملكيّة وراز القدريّة في مظاهر الموجودات ليستدلّنّ الكلّ بلسان الكينونات بأنّه هو الباقي الدّائم الخالق المقتدر العزيز السلطان وأنّ عَلِيَّا قبل محمّد مظهر الذّات ومظهر الصّفات الّذي منه بدء الممكنات وإليه ترجع الكائنات وهو الّذي من نفسه المنّان نفس الرّحمن وبها خلق الجواهرات والقابليّات في عالم الإمكان وظهورات الموجودات في عوالم الأكوان والمرايا المستحكية عنه والحروفات النّاطقة منه أوّل خلق اللّه ومبدأ الظّهورات ومرجع العباد في يوم التّناد وهذا ما فضّلهم اللّه على ساير الخلق في عوالم القِدم وبهم أشرقت الأنوار ولاحت الأقمار وأضائت الشّموس وأباحت النّجوم وكلّهم يحكينّ عنه ويدلنّ عليه بحيث لا فرق بينه وبينهم إلّا بأنّهم خلقوا بأمره وبعثوا بإرادته وحشروا بقدرته هم الّذين بهم تدور الأدوار وتكوّر الأكوار وتغرس أشجار التّوحيد وتظهر أثمار التّفريد وتنزل أمطار التّجريد إلى أن ترجع النّقطة إلى مقامها الأولى بعد دورها في حول نفسها وبلوغها إلى محلّها إِذًا يرجع الإنتهاء إلى الإبتداء وحينئذ يظهر نداء الأولى عن شجرة القصوى عند إشراق الشّمس مرّة أخرى وهذا ما غنّت الورقاء في قطب البقاء في هذه اللّيلة الأحديّة الّتي توقد فيها نار الأحديّة من سدرة السّيناء في ظلّ اسم الأقدميّة والسّرّ الأزليّة الّذي سمّي بالحقّ القديم في قيّوم الأسماء ليشهدنّ كلّ الظّهورات في سرائر القلب بالخفيّات بأنّه هو العزيز المقتدر المهيمن المنّان

هذا كتاب من الباء قبل هاء إلى الّذينهم آمنوا باللّه وفازوا بأنوار الهدى ليبلغهم إلى سرادق القدس ويقرّبهم إلى مقصد الّذي ما وصل إليه أحد من الّذين كفروا باللّه ويشهد بذلك هياكل الأسماء في مداين الصّفات وعن ورائهم ملائكة القدس يشهدون

قل إنّ في تغنّي الورقاء على الأفنان وأطوار ورقات الفردوس وتموّج بحر الأحديّة وترفع غمام الحكمة وتنزل الأمطار وتجري الأنهار من الأحجار واستواء هيكل الأزليّة على عرش الأنوار لآيات للّذينهم كانوا في حقايق الأشياء ببصر اللّه ينظرون إذا تفكّروا يا ملأ الأحباب في خلق السّموات والأرض ثمّ في أنفسكم إن أنتم في مظاهر القدرة بأنوار الهداية في أيّام الوجه تهتدون وقد حضر بين يدينا كتاب من حرف القاف الّذي سافر من نفسه وهاجر إلى اللّه المهيمن القيّوم وبلغ إلى مواقع القدس ودخل مصر الإيقان في مقام الّذي تصطلي فيه نار اللّه خلف حجبات النّور وتشتعل فيه سراج الأحديّة في مصباح عزّ مسطور وبذلك سبقوا الّذينهم هاجروا عن ديارهم حبًّا للّه عن الّذينهم ما توجّهوا إلى شاطئ القدس في مدينة الّتي تطوفها المقرّبون وسئل في كتابه من أسرار الّتي ما سبقها أحد في الملك وما كشف قناعها عن وجه أحد من الخلق وما أدركها العارفون إذًا فاستمع ما يناديك منادي الرّوح في هذه البقعة المباركة عن وراء قُلْزم الرّوح في طمطام بحر مسجور

ثمّ اعلم بأنّ ما سئلت من آية النّور الّتي نزلت على محمّد رسول اللّه من قبل هذه لآية يعجز عن إدراكها العالمون ولو أنّ ما في علم اللّه من أقلام وكلّ ما في القدر لأبحر من المداد وتكتبه أصابع القوة ممّا كان وما يكون ما ينفد معاني حرف الّتي نزلت بلسان العزّة في هذه الآية المنزلة المباركة ولكن أترشّح عليك رشحًا من قمقام يمّ العلم والحكمة لتكوننّ من الّذينهم كانوا إلى ميادين العلم يسرعون ومن كؤوس العناية عن يد الولدان على سرر الخلد يشربون

فلمّا قضى لموسى أجل الإمضاء مدين الإنشاء رجع بأهله ودخل برّية السّيناء في وادي القدس عن يمين بقعة الفردوس على شاطئ البقاء إِذا سمع النّداء عن مكمن الأعلى من شطر الهويّة أن يا موسى فانظر ماذا ترى إنّي أنا اللّه ربّك وربّ آبائك إسماعيل وإسحق ويعقوب إِذا غطّى موسى وجهه من خشية اللّه العزيز المقتدر القيّوم ونُودي مرّة أخرى عند شاطئ بحر العظمة في قبّة الحمراء فارفع يا موسى رأسك فلمّا رفع رأى نورًا توقد وتضيء من شجرة القصوى في وادي الخضراء إِذًا اهتدى بهداية الكبرى من نار الموقدة من سدرة البقاء ثمّ خلع نعلين الهوا وانقطع عن مُلك الآخرة والأولى كلّ ذلك ما قضى اللّه له كما أنتم في الألواح تقرئون وبذلك رفع أمره وعلا ذكره وكان من الّذينهم كانوا بأنوار النّار إلى مناهج العدل يتوجّهون وهذا ما قضى على موسى ابن عمران في قبّة الزّمان إن أنتم تعلمون

وكذلك شهد فاران الحبّ عند فاران النّار في حوريب القدس وسيناء القرب إن أنتم في صحائف العدل بعين اللّه تشهدون فلمّا كشف حجبات الواحديّة وإشرق أنوار الأحديّة في طلعة المحمّديّة أوقدت نار الهويّة لنفسه في نفسه بنفسه واشتعلت نار السّدرة في صدره إذًا أخذته شفقات الحبّ وجذبات الشّوق من كلّ الجهات وسمع نداء اللّه عن شجرة الإنسان في سرّه بأنّه أنت اللّه الملك المهيمن العزيز القدّوس وهذا ما قضي في برّية الرّوح على محمّد في مقام الّذي ما يقرّب إليه أفئدة الّذينهم كانوا من قبل وكذلك نذكر عليك من أسرار العلم وجواهر الحكمة لعلّ النّاس هم كانوا بنار اللّه في سدرة الذّكر توقدون وتشتعلون فلمّا أراد محمّد رسول اللّه أن يذكر هذا المقام الأعلى ليعرّفهم أسرار الأحديّة في شجرة نفسه ويبلغهم استغنائه عن النّار الّتي تجلّت في سيناء الحكم على موسى الأمر أوحى اللّه إليه هذه الآية التّوريّة ليكون دليلاً للّذينهم أوتوا التّوريّة وهداية للّذينهم كانوا بأنوار الهداية في سدرة المحمّديّة تهتدون وأمر اللّه موسى بأن يبشّر القوم بهذا السّيناء في هذه البقعة الأحمديّة ويشهد بذلك ما نزل في الكتاب ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن اخرج القوم من الظّلمات إلى النّور فبشّرهم بأيّام اللّه وهذا ما سطر في الألواح إن أنتم تعلمون وإنّ الّذي يبشّر النّاس بأيّامه كيف يصل إلى مقامه إن أنتم تشعرون ثمّ اعلم بأنّ الموسى بما آنَسَ بنار الشّجرة في شاطئ واد الإيمن إذا اهتدى بها وكان من الّذينهم كانوا في بقعة المباركة بإذن اللّه يدخلون وإنّ محمّدًا من قبل أن يستأنس بشيء أو يمسّه من نار جعله نورًا لمن في السّموات والأرض وهدى بهذا النّور من شاء من خلقه وهذا ما رقم في الكتاب وأنتم في الفرقان تقرئون

إِذًا فاعرف بأنّ مقام المِشْكَوة في هذه الآية نفسه والمِصْباح قلبه المنير والزُّجَاج هيكله القدسيّة الّذي فيه أضاء السّراج الأحديّة ويوقد ويضيء منه النّور وبه أضاء كلّ من في السّموات والأرض كذلك نذكر لكم إن أنتم بهذا النّور في أيّام الرّوح تستضيئون وبعد ما أضاء هذا النّور في مصباح المحمّديّة وأوقد على مشكوة الأحمّديّة وتمّ خلق الأحديّة في هيكل القدسيّة أمر اللّه بأن يذكر النّاس بلقائه في قيامة الأخرى ويبشّرهم بمقام قدس محمود في مقرّ الّذي يستجمع فيه ملأ العالين وأرواح المقرّبين ويرفع فيه غمام الفضل والمؤمنون حينئذ بفرح اللّه يفرحون وهذا ما هو الموعود في ألواح عزّ محفوظ في قوله عزّ سلطانه يوم ﴿يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وهذا ما وعدوا به كلّ من في السّموات والأرض ليشهدنّ الكلّ في أنفسهم بأنّ هذا لهو الحقّ لا إله إلّا هو وإنّه لهو الحقّ علّام الغيوب

إِذًا فاعرف مقام الّذي أتى بقميص عليّ على غمام من النّور وكان محمّد رسول اللّه مبشّرًا بلقائه في يوم الّذي يستبشر فيه المخلصون ثمّ اعرف بعد ما جائهم بآيات بيّنات ما قالوا المفترون وما فعلوا به بحيث يستحيي القلم أن يجري عليه وكان اللّه يشهد بذلك إن أنتم لا تشهدون وكذّبوه وأنكروه ومنهم من قال أفترى على اللّه أَم به سحر يسحر النّاس وبذلك احتجبوا عن لقاء اللّه وما أجابوه في أمره وما توجّهوا إلى وجه الّذي يتوجّه المقرّبون وأنتم يا ملأ البيان فاشكروا اللّه فيما أعطاكم بجوده بحيث عرّفكم نفسه وشرّفكم بلقائه وبعثكم بالحقّ وأنزل عليكم ما يغنيكم عن الّذينهم كفروا وأشركوا بعد الّذي كلّ انتظروا أيّامه وكلّ كانوا به يوعدون

كذلك فاعرف ما ألقيناك بالحقّ وأكرمناك بالفضل حيث آويناك في شاطئ العلم وعلّمناك سبل العرفان وقرّبناك بنار الّتي بها اشتعلت قلوب الّذينهم آمنوا وكانوا على اللّه ربّهم كلّ حين يتوكّلون

ثمّ اعلم بأنّ المقصود من الآية لم يكن إلّا ما علّمناك بالحقّ ولكن لا يعرفه إلّا الّذين هم صبروا في اللّه ولا يدركه إلّا المخلصون وهذا من فضل الّذي ما سبقه الأوّلون ولن يسبقه الآخرون ولكن إنّك أنت يا أيّها السّائل الآمل في تلك الأيّام الّتي فيها أشرقت شمس العناية عن مشرق الأحديّة وأضائت سراج الهويّة في مشكوة القدسيّة لن تشهد هذه الآية إلّا في هيكل الّذي استره اللّه خلف سرادق العزّة في رفرف قرب محبوب أَمَا تشهد كيف أوقده اللّه لنفسه بنار نفسه في مشكوة البقاء وحفظه بمصباح القدرة بين الأرض والسّماء لئلّا يهب عليه نسمات الشّركيّة وظهر منه النّور عن خلف سبعين ألف حجاب على قدر سمّ الإبرة واستضاء منه زجاجات وجود الممكنات بحيث كلّهنّ يحكينّ عن اللّه بارئهنّ فيما تجلّت عليهنّ هذه النّار الإلهيّة وهذا ما نلقي عليك من بدايع علم مكنون لتشكر اللّه ربّك في كلّ حينك ثمّ كلّ المؤمنون ولتكون راضيًا عن نفسك فيما قلبك إلى شاطئ الّذي ما وقع عليه رجل أحد من الخلق إلّا الّذينهم بنار الحبّ في كلّ حين يحترقون ولن يقربه إلّا الّذينهم انقطعوا عن كلّ من في جبروت الأمر والخلق وهم في مناهج التّسليم بإذن اللّه يسلكون

إِذًا استكفينا بما فسّرناه لك في هذه الآية المقدّسة واختصرنا في بيان معانيها لأنّا فسرناها من قبل بعبارات شتّى وإشارات الّتي تذهل عنها عقول العارفون وإنّك فاكف بما نزل عليك في هذه اللّيلة المباركة الّتي جعلها اللّه من ليالي الّتي فيها قدّر كلّ أمر محتوم من لدن عزيز قيّوم وإن لن تستكف بما رقم قلم القدرة على تلك الألواح المنيرة فارجع إلى ما سطر من قبل من إصبع عزّ مشهود لأنّ في سدرة الكلمات أوقدت نار الأحديّة ولن يقتبس عنها إلّا الموحّدون وعلى أفنانها حمامات كلّهنّ خلقن من نار الهويّة ولن يسمع نغماتها إلّا المنقطعون فو اللّه لو تدقّ بصرك لتعرف كلّ العلوم عمّا سطر في هذه الألواح وتستغني عن دونه وإنّ هذا لحقّ معلوم

وأمّا ما سئلت عن حروفات المقطّعات في الصّحائف والزّبرات فاعلم بأنّ لكلّ واحد من هذه الحروفات لآيات للّذينهم يعرفون وفيها رموزات وإشارات ومعاني ودلالات لا يعقل حرفًا منها إلّا الّذينهم كانوا في رضى اللّه يسلكون وفي رضوان العلم يحبرون ولم يزل كانت أسرارها مكنونة في كنائز العصمة ومختوما بختام القدرة ومقنوعًا بقناع العزّة ولكن حينئذ فك ختامه على شأنك وودّك على ما كان النّاس يقدرون أن يعرفون ليشهدنّ الّذين سبقتهم الهداية من اللّه بأنّ كلّ ذلك خلق في هيكل الّذي ينطق بالحقّ ويطوف في حوله كلّ الحروفات العالية والكلمات الجامعة لو أنتم تفقهون فاعلم بأنّ تلك الحروفات في مقام الأسماء تدلّنّ على الكينونات الأزليّة والحقايق الأحديّة وسواذج الهويّة كما أنتم في الفرقان تقرئون قال عزّ نوره في أوّل الكتاب: ﴿الم ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيْهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي هذا المقام سمّى اللّه حبيبه بهذه الحروفات المنبسطة المقطّعة ليوقننّ بذلك الّذينهم كانوا في هواء الرّوح بجناحين الإنقطاع يطيرون

أن يا محمّد هذا ﴿الكِتَابُ﴾ أي كتاب نفسك وهذا من كتاب غيب محفوظ الّذي لن يحيط بعلم أحد إلّا اللّه ومنه يفصّل كلّ الكتب لو أنتم توقنون وهذا من كتاب الّذي فصّل فيه علم ما كان وما يكون ويهتدي به المهتدون وكلّ ما نزل من قبل الّذي لا قبل له من الكتب والزّبر حرفًا من ذلك الكتاب ولا يعرف ذلك إلّا الّذينهم كانوا إلى هواء القرب ببراق العزّ يصعدون وكلّ ذلك يذكر في مقام الوصف وإلّا لهذا الكتاب المكنون مقام ينقطع عنه كلّ ما يذكر وكلّ ما يصفه الواصفون ويخلق كلّ ما كان ويكون بقوله كن فيكون عنه إِذًا فاعرف كتاب نفس محمّد الّذي رقم فيه كلّ الأسرار من قلم اللّه المهيمن العزيز القيّوم لتشهد بأنّه لا إله إلّا هو الملك المهيمن المحبوب وبذلك نزل من قبل بأن اقرأ كتاب نفسك وهذا لكتاب الّذي يكفي الّذين هم آمنوا ويبلغهم إلى شاطئ اسم مخزون وفي مقام أخرى يطلق على كتاب الّذي نزل عليه بالحقّ وجعله اللّه فرقانًا بين الّذين هم آمنوا عن الّذين هم كفروا على ربّهم يعدلون وفي مقام أخرى فاعرف بأنّ اللّه لمّا سمّى حبيبه بالحروفات المركّبة والكلمات الجامعة كما أنتم في أسمائه بمحمّد وأحمد ومحمود في ملكوت الأسماء تنطقون وكذلك سمّاه بالحروفات المنبسطة والرّقومات المقطّعة ليعلم كلّ من له دراية من بعد بأن كلّ الحروفات الأبهى والأسماء الحسنى خلق له لأن لا يظهر من المحبوب شيئًا إلّا وقد أراد به حبيبه وهذا لو أنتم ببصر الرّوح تنظرون وليثبت القول فيما نطقت به ورقاء الأزليّة: ﴿أَيَّامَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ وهذا ما نزل من قبل وأنتم قرأتم وفي أيّامه وإذا أكثر النّاس هم يقرئون

ثمّ اعلم بأنّ اللّه خلق هذه الحروفات المنبسطة المقطّعة في إسم حبيبه جوهريّات المنبسطة والسّاذجات الرّفيعة اللّطيفة كما أنتم في مرايا المنطبعة عن شمس المحمّديّة تشهدون وكذلك خلق من كلمات المركّبة في إسمه هياكل المحدودة المركّبة من عناصر الواحديّة وكلّ على قدر مراتبهم عن هذا الشّمس منطبعون إِذًا فكّر في خلق السّموات والأرض لتعرف كلّ إسم في ظلّ إسمه وكلّ صفة في ظلّ وصفه وتوقن بأنّ كلّ شيء في قبضة قدرته ويخلق من حروفات ولتكون من الّذينهم كانوا في مظاهر الصّنع بعين اللّه تتفرّسون

وفي مقام آخر الألف يدلّ على الألوهيّة المطلقة واللّام على الولاية المطلقة الّتي ترجع إلى نفسه القائمة بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللّهُ﴾ وهذا من ولاية العزيز المحمود والميم عن كينونة المحمّديّة والطّراز الأحمديّة وخاطبه اللّه بهذه الحروفات ليوقننّ الكلّ بأنّ كلّ ما يعبّر بالعبارة ويذكر بالألسن الخليقة أو يدرك في أرض الإنشائيّة كلّ ذلك ظهر في قميص المحمّديّة وكذلك يغنّ عليكم إن أنتم تسمعون

فواللّه لو أريد أن أفصّل هذه المقامات الثّلثة في هذه الحروفات الثّلثة ما يكفيها الألواح ولا ينتهيها المداد ولكن يختصر في كلّ المقام إن أنتم تعلمون لأنّ زمام القلم لم يكن في قبضتي خوفًا من الّذينهم كفروا وأشركوا ولو كان في صدورهم غلّ من هذا الغلام الّذي سكن في شطر العراق ويدعوا الكلّ إلى المساق واستشرق عن أفق الأحديّة بإشراق أضاء الآفاق وكذلك نذكر لكم من أسرار الأمر لعلّ أنتم تطّلعون وإلّا فوالّذي نفس الحسين بيده لو لن يمنعني خطرات أهل النّفاق لأذكر في اللّوح ما ينقطعكم عن كلّ من في السّموات والأرض ويبلغكم إلى مقام الّذي ما سمعه الاسماع ولا أدركه العيون ولن ينتهي هذا الفضل الجارية ولو يجري من أوّل الّذي لا أوّل له إلى آخر الّذي لن يريه الآخرون لأنّ منبع هذا المعين الإلهيّة وهذا البحر الأحديّة لم يكن إلّا حقيقة فضل الرّبّانيّة وكينونة علم الصّمدانيّة ومع ذلك كيف ينفد هذه العذبية الجارية لا فوربّي لا ينفد ولا يبيد ويشهد بذلك ما استدللنا به ومن وراء ذلك سكّان ملأ الأعلى يشهدون هل ينتهي فضل اللّه أو ينقطع الفيض من عنده لا فوربّ السّموات والأرض بل سبقت رحمته كلّ شيء وأحاطت فضله كلّ الوجود قل يا قوم هذا من فضله الّذي ينزل عليكم من غمام العلم أمطار الحكمة ويهب على الممكنات ما يدخلهم في رضوان القدس ويلبسهم قميص البقاء إن أنتم في أسرار هذا الفضل تتفكّرون

قل يا قوم كيف رقدتم على الفراش ولا تقومون عن مقاعد الغفلة بعد الّذي طلعت شمس الحبّ وكلّ الأجساد الرّميمة من حرارتها متحرّكون وأنتم كالجبل البرد وما تذوبون من إشراق هذه النّار بعد الّذي كلّ من سكن في رفارف الخلد عنها مشتعلون قل يا قوم إن لن تسمعوا من هذا العبد الموقن باللّه إذا في مراتب الحبّ عن هذا السّراج تتعلّمون كيف يوقد بنار الحبّ ويحترق بنار نفسه في كلّ حين إذا أنتم في احتراقه بدايع الذّكر فاستمعون ويدعوا اللّه في سرّه بلسان المودعة فيه فيا إلهي وسيّدي أسئلك بسراجك الّذي جعلته مقدّسًا عن المصباح بأن تبعثني في محضر العشّاق في مقام الّذي يذكر فيه إسم اللّه العزيز المهيمن الموعود الّذي يأتي بالحقّ على ظلل من النّار وفي حوله ملائكة الأمر يطوفون إذا يرفع غمام القدس ويغنّ الورقاء بلحن مجتذب عنه أفئدة المقرّبين قل يا قوم اسمعوا قولي ثمّ اعرفوا قدر تلك الأيّام وتمسّكوا بالخيط الدّرّيّ المكنون ولا تلتفتوا إلى الدّنيا وزخرفها ولا يحزنكم الضّرّاء ولا يقلّبكم ما يمسّكم من الّذينهم كفروا وأشركوا باللّه العزيز المحبوب وكونوا من خيرة الخلق الّذين لا يسدّهم منع مانع ولا يحجبهم لومة لائم ولا يمنعهم إعراض معرض ولو يقومنّ عليهم كلّ من في الأرض إن أنتم تعرفون أولئك الّذين لا يقبلون إلى وجه ولا يقفون بشيء في الملك ولو يمرون على مداين الذّهب كالبرق عنها يمرّون ولا يلتفتون عليها وهم في غمرات الإنقطاع يسبّحون أولئك هم الّذين إِذَا تتلى عليهم آيات ربّك تحدث في قلوبهم نار الأحديّة وترجف أركانهم من الشّوق ثمّ على وجوههم يخرّون خضعًا لله الملك المهيمن العزيز القدّوس كلّ ذلك من سَجِيَّة المنقطعين ألقيناكم بالحقّ لعلّ أنتم إلى شاطئ الفضل بأعينكم تسرعون

ثمّ اعلم في مقام أخرى أراد اللّه بهذه الحروفات أسرار اللّانهايات ومنها إشارة إلى مدّة إخفاء الجمال خلف سرادقات الجلال كما أنتم في آثار أئمّة الفرقان تشهدون: "بعد إنقضاء المص بالمرا يقوم المهدي" وكذلك أنتم في كلّ الحروفات هذه الأسرار فاعرفون إلى حين الّذي يستشرق فيه الأنوار من فجر قدس محبوب

قل أنتم يا ملأ البيان كلّ ذلك في مراتب الخلق والإبداع ومظاهر الايجاد والاختراع فاشهدون وإلّا في مقامات الّتي جعلهنّ اللّه محلّا لتجلّياته القدسيّة لن يشيرن بإشارة ولن يحكينّ بحكاية ولا يدلنّ بدلالة وكلّهنّ في مقرّ القدس لواقفون

قل يا ملأ الفرقان قد صعدت الحروفات إلى مواقفهنّ والكلمات إلى مقاعدهنّ وأنتم إلى حينئذ ما تستشعرون أَمَا سمعتم يَوْمَ يُنَادِي المُنَادِ وأَمَا سمعتم الصَّيْحَة بالحقّ كيف أنتم إلى حينئذ في حجبات أنفسكم ميّتون قوموا عن مراقد الغفلة ثمّ الجهل والبغضاء ثمّ اسمعوا إلى ذكر اللّه ذلك خير لكم إن تريدون إلى أوطان القرب ترجعون وأَمَا تتفكّرون في قرون الماضية وفيما قضى عليهم حيث اعترضوا برسل اللّه وكانوا عن آياته معرضون بعد الّذي ما أرسل اللّه من رسول إلّا وقد أنزل معه من معجزة تعجز عنها البالغون وبشّر كلّ رسول برسول الّذي يأتي بعده وكلّ كانوا به يوعدون

إِذًا فانظر إلى الّذين أوتوا التّورية من قبل أن يبعث عليهم موسى بشّروا من عند اللّه المهيمن القيّوم بنبيّ الّذي يأتي من بعد فلمّا جائهم موسى بعصا الأمر وفاران الحبّ أعرضوا عنه وقالوا ما هذا إلّا ساحر مجنون وأنكروه وحاججوا معه وجادلوا به إلى أن قضى سنين معدودات إِذًا أرفعه اللّه بأمره وبلغه إلى مقام الّذي قدّر له حيث أجرى بحكمه وأثبت برهانه وقطع دابر الّذينهم كفروا وأشركوا وظلّموا بغير حقّ كما أنتم اليوم تصلّون على موسى والّذينهم آمنوا وتلعنون الفرعون وجنوده كذلك نقص عليكم من قصص الحقّ لعلّ أنتم في ايام اللّه تتذكرون

ثمّ موسى بشّر القوم إلى الّذي يأتي من بعده فلمّا جائهم عيسى ببيّنات قدس مشهود إذًا استكبروا عليه وقالوا أنت لست بذلك وما أنت إلّا رجل مسحور

وكذلك عيسى بشّرهم بنبيّ الّذي يأتي بعده بإشارات عزّ محمود فلمّا جائهم محمّد رسول اللّه أعرضوا عنه وأنكروه وقالوا ما هذا إلّا رجل افترى على اللّه المهيمن القيّوم فلمّا رفع إلى اللّه إذا اجتمعوا على أمره كما ترى اليوم وكلّ على ما جرى عليه يبكون ويتضرّعون ثمّ على من ظلمه يلعنون

وحين ارتفاعه إلى رفيق الأعلى وصعوده إلى رفارف القصوى وعد القوم إلى الّذي يأتيهم من بعد وملأ الفرقان كلّهم بذلك مقرون وقضي الأمر ومضى المدّة إلى أن جاء عَلِيٍّ قبل محمّد بآيات واضحات وحجج باهرات ودلائل محكمات وبراهين لائحات إذا كلّ استكبروا على اللّه في أمره بعد الّذي كلّ كانوا بلقائه يوعدون وشهد بذلك كلّ ما رقم في ألواح المحفوظ كما أنتم تقرئون في الكتاب بأنّ اللّه لمّا ختم النّبوّة بحبيبه بشّر العباد بلقائه وكان ذلك حتم محتوم فلمّا أتى اللّه في ظلل الغمام ونفخ في صور الأمر وانشقت السّماء واندكّت الجبال إذا كلّهم على أعقابهم ينكصون وينتظرون لقائه كما ينتظرون اليهود والنّصارى بما وعدوا من قبل ومن يومئذ إلى حينئذ كلّهم منتظرون وكم من رسل أرسلهم اللّه بالحقّ بعد موسى إلى حينئذ وما استشعروا بذلك اليهود وفي كلّ سنين يقولون يأتي في سنة أخرى كذلك فاعرف مقدارهم ومقدار الّذين في ظلّ أنفسهم مستظلّون

إذًا فانظر إلى هؤلاء المشركين فيما فعلوا من قبل وفيما اليوم كانوا أن يعملون كذلك فصّلنا لكم من كلّ نبأ تفصيلاً وألقيناكم ما قضي على رسل اللّه لتطلعنّ بأسرار الأمر وتكوننّ من الّذينهم كانوا اليوم في ظلّ الوجه داخلون وعرجهم اللّه إلى مقام الّذي عرّفهم نفسه بعد الّذي كلّ كانوا عنه معرضون

ونرجع حينئذ على ما كنّا في ذكره ونجدّد قميص المعاني على هياكل الكلمات مجرد بدع منسوج لتوقننّ بأنّ زمام الأمر في قبضة مقتدر مرهوب ومنقلب كيف يشاء وإذا جاء أمره على كلّ من في الملك فانقلب إذا كلّهم منقلبون فاعلم بأنّي لو اذكر معاني الألف الّذي نزل في أوّل الكتاب على ما قدّر فيه لؤلؤ علم مكنون لينصعق كلّ من في السّموات والأرض إلّا الّذينهم في طمطام يوم القدرة في مقابلة الوجه يتغمّسون ويجتمعون على كلاب الأرض ويأخذوني بمخاليب البغضاء وينكرون فضل الّذي نزل من غمام ارتفعت باسم اللّه ويسكن به ظمأ الّذين هم في فاران الفراق عند فوران النّار يحرقون وبعضهم يموتون على شأن الّذي لو ينفخ فيهم روح الحيوان لن يحبّون وقليلا منهم يشربون من هذا المعين الحيوان الّتي جرت في ظلمات تلك الكلمات ويحمدون اللّه بارئهم فيما أشرق عليهم من شطر العراق نيّر الآفاق بعد الّذي انصعقت الأرواح ثمّ آفاق

وكذلك فاعرف تشتت النّاس فيما هم يختلفون وبذلك نزل من قبل على محمّد رسول اللّه بأنّ قليلاً ﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ولكن مع كلّ ذلك لما أحبّ أن أخيّب الّذي انقطع إلى اللّه وسافر إليه وهاجر به لذا ألقي على قدر الّذي تحمله العباد وتطيقه النّفوس وتعرفه العقول ليكون تذكرة وبشارة من لدى العبد للّذينهم يسرعون إلى دار السّلام في ظلّ شجرة الوصل هم يدخلون فاستمع لما يوحي إليك في هذه البقعة المباركة عن هذه الشّجرة السّرمديّة الّتي ما قبس عنها النّار وما يقرّ بها أحد إلّا الّذينهم في حولها يطوفون ويفدون أنفسهم في سبيله بعد إذنه ثمّ بذلك يشكرون

فاعلم بأنّ الألف في مقام يشير على إسمه الأعظم فهو اللّه، واللّام من علمه المكنون، والميم عن إسمه المعطي، أي أنا اللّه الأعلم المعطي وهذه الأسماء ما اختصّه اللّه بنفسه في أوّل كتابه وبذلك أراد ما أراد ولن يعرف أحد كيف أراد لأنّه لا يسبقه أحد بعلمه وإنّا كلّ بذلك موقنون ومعترفون

ثمّ في مقام أراد اللّه سبحانه من الألف أحديّة ذاته، ومن اللّام ولاية وليه، لأنّ اللّام حرف الولاية لو أنتم تعلمون، ومن الميم نبوة حبيبه، لأنّه حرف النّبوّة كما ظهر في أوّل إسم رسوله وكما أنتم تشهدون، وقدّم حرف الولاية على حرف النّبوّة يشهدنّ أولو الأفئدة بأنّ هذا بشارة من بعد على كلّ من في السّموات والأرض بأنّ الّذي يأتي بعد محمّد يقدّم في إسمه العظيم إسم الولاية على إسم النّبوّة كما أنتم في عَلِيٍّ قبل محمّد تعرفون ويدلّ على ذلك آية الثّانية من الفرقان كما نزل بالحقّ: ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيْهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِيْنَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ والغيب لم يكن في عصر محمّد إلّا عَلِيّ قبل نبيل لو أنتم بهذا الغيب تؤمنون وبهذا الغيب أخذ اللّه العهد في ذرّ الفرقان عن كلّ من في السّموات والأرض ولكنّ أكثر النّاس هم لا يفقهون

إِذًا فاعرف كيف دلع ديك العرش ويغن في رفرف البقاء ويعلّمكم ما تطمئن به عقولكم وتستريح به نفوسكم وتستبشر به قلوبكم وتستفرح عنه الموحّدون ثمّ اعرف عظمة هذا الأمر بحيث ذكره اللّه في أوّل كتابه وأوّل خطابه مع حبيبه ومع ذلك هؤلاء الفجّار نقضوا عهد اللّه ونكثوا ميثاقه وأنكروا برهانه وما رضوا بكلّ ذلك وفعلوا به ما ينقطع عنه صبر الصّابرون كذلك نلقي عليكم من أسرار الأمر لو أنتم بآذان القدس تسمعون

فواللّه لو تفكّرون في اللّام الّذي نزل بين الحرمين لتصلنّ إلى كلّ ما أنتم تريدون لأنّ اللّام في هيئته ثلاثة كما أنّ أهل الحساب في استنطاقه يحسبون ويصير بنفسه ثلاثة اللّام والألف والميم إذًا اجتمع فيه كلّ ما كنّا به مسئلون لأنّ الميم قد ظهر عن نفسه وهذا يدلّ على استغنائه لو أنتم في هواء التّجريد وفضاء التّوحيد تطيرون وبهذا يستدلّنّ المستدلّون على أنّه لا إله إلّا هو قد كان واحدًا في ذاته وواحدًا في صفاته وواحدًا في إسمه وواحدًا في صنعه هل من إلهٍ غيره قل سبحان اللّه ما من إله إلّا هو وإنّا كلّ له وكلّ في صنعه متحيّرون وبذلك تحرق حجبات الشّركيّة وتضمحل إشارات الحدّيّة وترفع أعلام الموحّدون

ثمّ تفكّر في ألف الّذي جعل اللّه واسطة بين اللّام والميم وهذا ما لا يعرف بالإدراك ولا يفهم بالعلم ولو كلّ من في السّموات في أزل الآزال تتفكّرون إذا سدّت أبواب المعاني في هذه الحرف الصّمداني افتح أبواب الألفاظ على ما أنتم تستطيعون إن تسمعون

ثمّ اعلم بأنّك لو تدور هذا الألف الإلهي حول نفسه يظهر الألفين القائمين وبعد ذلك إذا ترفعهما إلى العشرات يظهر عدد العشرين إذا ظهر كان الأمر الّذي به خلقت هياكل التّوحيد ومظاهر التّفريد ومواقع التّجريد وذلك يكون قبل اقترانه بركن النّون إن أنتم تعلمون وبعد اقترانه خلقت الإشارات في عوالم التّحديد والدّلالات الملكيّة في عوالم التّركيب وبذلك يشهدون أولو العلم أسرار الحكمية عمّا جرى من قلم عز مشهود

ثمّ اعلم بأنّ كلّ الحروفات والكلمات يرجعن إلى هذا الألف الصّمداني وهذا الرّقم البرهاني إن أنتم ببصر القلب تشهدون وإنّه لمظهر الحروفات من غير إشارة إليه وكذلك نزل العلم من عنده بالحقّ إن أنتم تقدرون إن تفقهون وإلّا فاسئل اللّه ربّك بأن يعلّمك بعلمه ويلقيك ما يغنيك من الّذينهم بآيات اللّه لا يهتدون ويمشون في ظلمات لجي تغشيهم أمواج النّار من كلّ الجهات وهم فيه مغرقون ولكن لا يشعرون

ثمّ انظر أسرار المودعة في هذا الألف بحيث في كلّ الحروفات تجلّيات هذا الألف فانظرون مثلاً فاشهد في هذا الألف حرف الباء بخضوعه بارئه كان أكبّ على التّراب بتمامه خشّعًا لله كما أنتم على هيئته تشهدون ثمّ ظهر على هيكل الدّال لركوعه بين يدي اللّه المهيمن المحبوب وإذا سجد للّه ظهر عين الصّاد وجرت منه الماء الّذي به أحي اللّه كلّ من في السّموات والأرض في مراتب الخلق لو أنتم في آثار الخلق تتفّرسون وكذلك فاعرف كلّ الحروفات وكلّهنّ بما تجلّت عليهنّ من تجلّيات هذا الألف ظهرت على هياكل المختلفة كما أنتم في حروفات الهجائيّة تنظرون وإذا أراد اللّه أن يظهر تجلّيات هذا الألف أشرق عليهنّ تجلِّيًا من مثاله إذا كلّهنّ بما كن عليه في قمايص هذه الحروفات تظهرون ولو يخلص أنفسهنّ عن هذه الإشارات المحدودة إذا كلّهنّ في هيكل هذا الألف وعلى هيئته يبعثون وإذا تريد أن تشهد تجلّي هذا الألف القائمة في الحروفات على هيئته وقيامه لتكون في نفسك موقنًا بأنّه كان قائمًا فوق كلّ شيء

فانظر في الرّقومات كما أنتم في أعداد الهندسة تشهدون مثلاً هذا الألف لو تغمسه في أبحر العشرات يظهر الألف بهيئته بزيارة النّقطة ويظهر منه الياء لأنّ عدده عشرة كما أنتم في الحساب تعدّون وكذلك لو تصعد إلى سماء المآت يظهر الألف بعينه زيادة النّقطتين فأنتم حرف القاف حينئذ فانظرون وكذلك يترقى إلى أن ينتهى إلى آخر الأعداد إذا يظهر حرف الألف في رتبة الرّابع بزيادة النّقاط ويظهر عدد الألف وبذلك أنتم حرف الغين فاشهدون

إذًا فاشهد كيف جرت آثار التّوحيد في جبروت الحروفات تشهدون في آفاق الممكنات وأنفس المعقولات بأنّه لا إله الّا هو وكلّ إليه يرجعون فلمّا شهد هذا الألف نفسه في أوّل الحروفات وآخرها شهد في ذاته بلسان سرّه بأنّه هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن وكلّ بذلك يوحّدون بارئهم ثمّ بين يديه يسجدون وفي ذلك المقام يصدق على هذا الألف كلّ الحروفات وكذلك على الحروفات تجلّي هذا الألف بنفسه لو أنتم في رضوان التّوحيد تحبرون وفي حين الّذي يكون الفا يصدق عليه حرف الباء وكذلك أنتم بالعكس فاشهدون

ثمّ اعرف النّقاط الّتي يزدن عليه في كلّ مقاماته ومراتبه هذا يدلّ على الإشارات الّتي تأخذه في تنزلات تجلّياته ليقدر النّاس أن يحصوها على مقدارهم وعلى ما هم عليه مقتدرون وإلّا لو كان في مقامه ولن يلبس قميص الحدود لن يدركه أفئدة أولي الأبصار ولا يعقله العاقلون

إذًا فاشهد تجلّي هذا الألف في نفسك بأنّك أنت في حين الّذي تسمع وتبصر تنطق بما تريد بحيث لا يمنعك أمر عن أمر ولا يسدّك فعل عن فعل كما أنتم كلّ ذلك في أنفسكم تشهدون

وكذلك فاشهد في الأسماء في حين الّذي يصدق عليك إسم السّميع كذلك يصدق عليك إسم البصير وكذلك أسماء أخرى لو أنتم بعيون الصّافية في أنفسكم تنظرون وكلّ ذلك في صفات الّتي كلّ النّاس إلى حينئذ يرجعونها إلى خالقهم من حيث لا يشعرون

إذًا فاشهد في نفسك بأنّ كلّ ذلك خلق في ملكه ويهب على من يشاء من عباده وإنّه لا إله إلّا هو لا يدرك بكلّ ما أنتم تدركون ولا يعرف بما أنتم تعرفون بل خلق هذه المقامات في أنفس عباده ليستدلنّ الكلّ بذلك بأنّه خلق الأسماء وكان مقدّسًا عنها وجعل الصّفات وكان منزّهًا منها وإنّه ما من مبدع إلّا هو له الأمر والخلق وكلّ بأمره يخلقون إِذًا قل فتعالى اللّه المهيمن القيّوم فتعالى اللّه القادر الخالق المقتدر العزيز المحبوب ولكن يا ملأ البيان فاجهدوا بأرواحكم وأنفسكم لتدخلنّ في هذا المقام ولا تكوننّ من الّذين لن يصدق عليهم لا إسم من الأسماء ولا بهذه الصّفات هم متصفون ولا تكوننّ من الّذين لَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا وَلَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ

ثمّ اشهد في نفسك بأنّك تقوم وتنوم وتمشي بشيء واحد وهذا حقّ معلوم ومع ذلك يظهر منك الأسماء والصّفات كما أنتم بكلّ ذلك في أنفسكم تبصرون وتذعنون وتظهر هذه الأسماء المختلفة والصّفات العديدة باختلاف ما قدّر في نفوسكم وخلق في أبدانكم لعلّ أنتم إلى معارج العرفان في أنفسكم تعرجون مثلاً ما يقوم أنت به فهو واحد لو أنتم بكلّ الأسماء تسمّونه أو تذكرون وهو في ذاته مجرّد عن كلّ ما أنتم تتكلّمون أو في أنفسكم إليه تشيرون ولكن بتوجّهه إلى محلّ السّمع وأسبابه يظهر أثر وصفة واسم لن يظهر من غيره وكذلك بتوجّهه إلى محلّ البصر وأسباب المقدر فيه يظهر أثر وصفة أخرى وهذا ما أنتم في أنفسكم تجدون وكذلك في اللّسان إذا يتوجّه إليه يظهر النّطق كما أنتم تنطقون وهذا من توجّهه إلى أسباب الظّاهريّة في هيكل البشريّة وكذلك في الباطن ببصر الباطن فاشهدون مثلاً بتعلّقه إلى القلب والكبد والطّحال والرّأس وغيره يظهر باختلاف هذه المقامات أسماء مختلفة كما أنتم بالعقل والنّفس والفؤاد تسمون

إذًا فاعرف تجلّي هذا الألف في نفسك مع إنّه واحد كيف أظهر اللّه منه الأسماء المتغايرة والآثار المختلفة لتبلغ بذلك إلى مقام العرفان وتشهد بأنّ الاختلاف يظهر باختلاف المحلّ والأسباب وإلّا مجلّي واحد والتّجلّي واحد وكلّ ذلك في أنفسكم أفلا تبصرون ولتوقننّ بأنّه لا إله إلّا هو قد صنع الخلق جامعًا بجميع أسمائه وصفاته إن أنتم بدايع الصّنع في أنفسكم لا تتضيعون وكلّ ذلك خلق في ملكه ويظهر في مقام الخلق

وأنتم يا ملأ البيان عن حدودكم لا تتجاوزون خافوا عن اللّه ولا تنسبوا إلى أنفسكم ما لا قدّر لكم ثمّ عن مقامكم لا تسترفعون وقد بيّنا لكم ما حارت فيه أفئدة العرفاء والحكماء والعلماء في تلويح هذه الكلمات لتطلعنّ بما فيها وتشربنّ كلّ من في السّموات والأرض من هذا المعين الجارية على مقدارهم ومراتبهم وعلى ما هم عليه مقتدرون

إذًا فاعرف هذا الألف الرّوحاني وهذا الطّراز الصّمداني وهذا الخيط المستقيم الأحداني كمن قام بنفسه لنفسه في مقابلة أهل السّموات والأرض ومرّة يرفع رأسه إلى السّماء إذا يستجذب منه أفئدة ملأ الأعلى ثمّ مرّة يلتفت إلى الأرض إذا يقوم أجساد المقرّبين عن قبور الفناء وكذلك نلقي عليكم عمّا رقم من إصبع القدرة على ألواح قدس محفوظ

ثمّ اعلم بأنّ لهذا الألف المستقيمة الرّاسخة مثال في كلّ العوالم وكلّ من خيط عنايته يستمدون وكلّ ما أنت تشهد في كلّ ما خلق ويخلق من استقامة أو من قيام أو من استقرار أو قوة أو قدرة فاعلم بأنّ كلّ ذلك ظهر من استقامة هذا الألف الإلهي وكلّ في ظلّ هذا الألف مستظلّون ومن استقامته مستقيمون فواللّه قد بلغ القول لمقام انقطعت عنه إشارات العلم ودلالات الحكمة لتشكروا اللّه ربّكم في أيّامكم وتكوننّ من الّذينهم أعرضوا من كلّ من على الأرض ثمّ إلى جمال الأحديّة في قميص النّور عن خلف الحجبات مقبلون ويشربون خمر المعاني والحيوان من أيادي الرّوح وفي كلّ حين هم يشربون ولو يقبلنّ عليهم كلّ الطّعامات ويظهرن أنفسهنّ لهم بكلّ زينة وحلى إذا هم لا يعتنون ولو يدخلنّ عليهم بأساور الذّهب وجلابيب العزّة من السّندس والاستبرق ويردن أن يذهبن أحدًا منهم أو يدخلنّ في قلب أحد فواللّه لا يقدرن ولا يلتفتون إليهنّ ولو بكلّ ما يمكن في الإبداع يزيننّ أنفسهنّ وبكلّ الأكحال يكتحلون ولو يستقبلهم أحد بكلّ ما يمكن في الأرض من الذّهب والفضّة وبجميع زخارف الملك لا يعتنون به ولا إليه هم يقبلون أولئك أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ولا يخافون من أحد ولو يقوم عليهم كلّ من في السّموات والأرض وهم لا يستوحشون لأنّ قلوبهم ونفوسهم وأفئدتهم ملئت من خمر رحمة اللّه ومحبّته ولم يكن من فرجة في قلوبهم حتّى يدخل فيه محبّة غيره وكذلك نعرفكم المخلصين لعلّ أنتم إيّاهم تعرفون وتتّبعون أمرهم على ما كانوا عليه بحيث لا يحرّككم عواصف الملك ولا يزلّ أقدامكم قواصف الدّهر ولتكوننّ من الّذينهم في حبّ اللّه هم راسخون

ثمّ اعلم بأنّ لهذا الألف أسرار من كلّ العلوم بما أعطاه اللّه من بدايع فضله وفيه قدّر علم ما كان وما يكون مثلاً إنّك لو تستخرج حروفات الّتي كانت في سرائر هذا الألف كما ألقيناك من قبل من مقامات الأربعة فيه وتكتب استنطاقها وبعد ذلك تقسمها على تقسيمات أربعة وتجري على كلّ تقسيمها باقتضائها من التّرقي والتّنزل والتّرفع والتّساوي ليظهر لك من أسرار الّتي تتحيّر فيها العقول وتطلع بما سمعت من الجفر الجامع وتصل إلى مبدأ العلوم فيا ليت وجدنا من أحد على ما نريد لنلقي عليه ما علّمنا اللّه من فضله ولكن لما وجدناه ألقيناك على قدر مقدور واكتفينا بذلك لئلّا يطّلع عليه كلّ جبّار مردود

ثمّ اعلم بأنّ هذه الحروفات المقطعات في مقام يكوننّ الرّمز بين العاشق والمعشوق والحبيب والمحبوب ولا يطّلع بذلك أحد إلّا الّذين جعل اللّه قلوبهم كنائز علمه وخزائن حكمته وهذا ما سبق به علم اللّه المهيمن المحبوب

ثمّ اعلم بأنّ هذا الألف في مقام يشير به إلى الأرض البيضاء والنّور الدّرّيّ الأخضر إن أنتم في أسرار الصّنعة الطّبيعة تريدون أن تتفرّسون وهذه الأرض صفائها ولونها من الماء إن أنتم تعقلون ويجمد في الماء فسبحان اللّه موجدها وتعالى عمّا أنتم تصفون وإذا جمد وانعقد هذا الماء الدّرّيّ في هذا الماء النّاري وأخذ الحرارة من هذا الماء الذّهبي النّاري يجتمع فيها الثلاثة الرّوح والنّفس والجسد وهذا ما لا سبقه علم أحد من النّاس وكلّ فيه متحيرون فلمّا انعقد هذه الأرض المتكونة من الماء في هذا الماء الحمراء إذا فأخرجها فلمّا أخرجتها تجد في وجهها غبرة النّار أي يسود إذا أنتم لا تحزنون لأنّها لو اسودّت لا بأس عليها لأنّ اللّه يبدّل هذه الظّلمة بالنّور بحيث يوقد ويضيء بإذن اللّه المهيمن المحمود وهذه ثمرة القدس الّتي ظهرت من شجرة الّتي نبتت في سماء الأفلاك وأرض العقول وهذه حجر الحكماء وفضّتهم وأرض العطشان وزيبقهم وبكلّ ما هم يسمّون وإن أخرجتها من معدن الإلهي سلّط عليها من روح الّذي كان منها وفي قرابتها لأنّ الجسد لا يقبل روح غيره لو أنتم فيما نلقي عليكم تحفظون وما يمضي من أيّام إلّا وتبيض بإذن اللّه إذا فاجهد في طهارتها بحيث لا يبقي فيها شيء من الظّلمة الّتي فيها الفساد على غاية ما أنتم تقتدرون أن تجدون ثمّ بعد ذلك جففها بنار صالحة وسلّط عليها من هذا الرّوح مرّة أخرى ثمّ اضرم عليها النّار القصب إلى أن يرفع فوق هذا الماء من دهن خمر مخزون فواللّه هذه من ذهب الحكماء الّذي تاهت فيه النّفوس وتحيّر فيه عقول الحكماء وإلى حينئذ ما وصل إليه عباد الّذين لا تلهيهم زخارف الدّنيا عن ذكر اللّه المهيمن القيّوم وهذه هي النّفس والدّم والصّمغة الحمراء ويحيي بها أجساد الرّميمة لو تنفخ فيها من هذا الرّوح إذًا أنتم يا ملأ الصّنعة فاطلبون ولكن فالتفت على النّار ولا تسلّطها عليها على قدر الّذي يضرها لأنّ النّار يفسد ويصلح لو أنتم تشعرون وهذه من النّار والذّهب والنّفس وماء الكبريت وماء الإلهي وماء الهواء وتطلق عليها كلّ الأسماء والصّفات في درائجها ومراتبها بمناسبات ما يظهر فيها من الألوان والأفعال وكذلك نعلمكم ليوقننّ الكلّ بأنّ لهذا النّفس العراقي لعلوم ما سبقها الأوّلون ولن يعرفها الآخرون لعلّ بذلك يستشعرون في أنفسهم ولا يظنّون بما هم اليوم يظنّون وإذَا ظهر يا أخي لك هذا الولد النّوراني وهذا الطّفل الرّوحاني على وجه الماء فاكشف قليلاً قليلاً إلى أن يتمّ لك أمرك فواللّه إذا لو يصيبه حمي النّار يخطف البصر فتعالى الصّانع الخالق القادر المدبّر العزيز المرهوب وهذا من أصل الرّوح وحقيقته ولو يطلق على غيره يطلق مجازًا وبه يحيي أجساد الميّتة ويقومون عن قبورهم وفي أرض التّدبير هم يحشرون إذا يظهر لك قيامة الأجساد في يوم الّذي ينفخ في الصّور ويجدد فيه قميص الخلائق وكلّ في محضر القدس بأعمالهم محضرون ويجزون بما عملوا في الحيوة الباطلة ويوفون بكلّ ما هم لو يجدون إذا يجدد ألحان الورقاء ويبّدل كلّ من في السّموات والأرض ويبسط أرض المعرفة ويدلع ديك الأحديّة والمؤمنون حينئذ على براق النّور يركبون لو نذكر لكم كلّما يظهر في هذا اليوم لا تحمله الألواح وتضطرب منه النّفوس ولذا نطوي ذكرها ونرجع إلى ما ذكرنا من قبل ليسبق الفضل من لدى اللّه على الّذينهم في قميص الوجود يدخلون

ثمّ اعلم بأنّك لو تزوّج هذا الدّهن الّذي ألقيناك بالحقّ مع هذه الأرض لتصل إلى ما تريد أقرب من أن يرتدّ إليك بصرك إن أنتم لهذا العمل توفقون إذا فاعرف الذّهب والفضّة ثمّ الشّمس والقمر ثمّ الصّمغة البيضاء والحمراء لعلّ أنتم تعرفون وبذلك قالوا العمل لم يكن إلّا مِن النّيّرين الأعظمين كما أنتم في كتب القوم تشهدون وكذلك فاعرف ما يقولون بأنّ ذهبنَا لا ذهب العامّة وكذلك الفضّة إن أنتم تفقهون وهذا الّذي سمّي ذو الجناحين وكان طائرا في الأجساد كلّها ويطلق عليه كلّ الأسماء مثلاً يطلق عليه الماء لسيلانه وجريانه ويطلق عليه النّار لأنّه حارّ في طبيعته وكذلك الأرض ليبوسته الباطنيّة فيه وكذلك هواء لاجتماع ما اجتمع فيه ويشهد كلّ ذلك من تفرّس في أسرار الطّبيعة وكان من الّذينهم بانقطاعهم عمّا سوى اللّه وإقبالهم إليه إلى ذلك المقام الأعلى يبلغون

ثمّ اعلم بأنّ هذا الدّهن المشعشع النّاري لاكليل الاكاليل وإكليل الإلهي وإكليل الغلبة لأنّ به كلّ الأجساد ينقلبون أي به يبرء كلّ الأجساد عن الرّطوبات اللّزجة المفسدة واليبوسات الظّلّة الرّديّة وبه كلّما خلق في الأرض عن كلّ الأمراض يبرؤون وإنّه لجوهر الفاعل الّذي منه قوام العالم وإنّه لحرارة الّذي لولاه لم يكن الحركة والحركة عن الفعل الّذي يحدث منه وكذلك فاعلم كلّ العلم من الحرارة لو أنتم في جواهر علم الحقيقة تتفكّرون وإنه لَرَحْل الشّجعان والذّكر الشّباب والزّيبق المشرق والرّوح الّذي ينفخ منه على العظام الرّميمة ليحيي ويقوم بإذن اللّه الملك المقتدر القيّوم

ثمّ اعلم بأنّ الرّوح لم يكن إلّا الماء المنجمدة على وجه الأرض البيضاء وهذا من أمر الّذي يظهر منها بغتة كالوحي السّريع وجعله اللّه غالبًا على كلّ شيء لأنّ هذا لهو الّذي استظلّ قبل كلّ الأشياء في ظلّ إسم اللّه الغالب القدير وتشهدون منه آثار القدرة إن أنتم إلى هذا المقام تصلون وهذه الأرض البيضاء لحجر الّذي تنفجر منه الأنهار وهي واحدة في جنسها وكذلك تدبيرها واحدة لو أنتم في هذا الواحد تكثرات الأربعة تشهدون مثاله الألف الّذي كنّا في ذكره وهذا الألف واحد في نفسه وإنّه ليس بعدد ولكن بعد منه الأعداد ويستخرج عنه الكثرات ولكن أنتم في كثرات عوالم الأعداد طلعة الواحد تبصرون وهذا لحجر فيه اجتمع أجناس الثّلاثة وأنتم تشهدون بعيونكم لو أنتم بعلم اللّه فيه تدبرون وإنّه ليحكي عن ليلة القَدر لأنّ فيه قدّر علم مكنون وأخفاه اللّه عن أفئدة عباده كما خفى ليلة القدر من الّذينهم ببصر اللّه في حقايق الأشياء لا ينظرون وشبّهناه باللّيلة لأنّه بعد تدبير الأوّل يظهر فيه السّواد والظّلمة وهذه من ظلمات الّتي فيها قدّر ماء الحيوان وهذا من حقّ الّذي ما سمعتم من قبل وإذا أنتم يا ملأ البيان فاسمعون

إذًا فكّر فيما نزل من قبل في الفرقان في حكم ظُلُمَات الثَّلَاث لتقرّ بها عيناك وتصل إلى غاية ما كان النّاس في طلبه يجهدون وإنّك أنت يا أيّها العبد فاعلم بأنّ خضر البهاء لمّا وصل إلى مشرق البقاء عند معين هذا الماء ما التفت إليه وما شرب منه لما قلّبه الرّوح من نفسه إلى يمين عزّ محبوب لأنّ هذا الفتى ما أراد بقاء نفسه في الملك وأنفق روحه وكلّما له على كلّ من في السّموات والأرض وهذا ما أختار لنفسه حبًّا للّه الملك المهيمن المقتدر المحمود

قل يا قوم تالله هذا لعبد ما أراد لنفسه من شيء وما استنصر عن أحد في الملك إلّا اللّه وحده وهذا ما يشهد به لسان الأحديّة في سرادق غيب مستور قل إنّ هذا السّراج ما طلب المشكوة ولا تؤثّر فيه النّار وما يستضيء من شيء إلّا اللّه الفرد العزيز المتعالى القيّوم ثمّ اشكروا اللّه بارئكم فيما كشف لكم الأسرار من هذا القلم الدّرّيّ المحدود وإن كان محدودًا بحدوده ولكن اللّه جرى منه ما لا حدود ولا غاية له إذا أسرار التّفريد في هذا التّحديد فاشهدون وهذا من علم الّذي علّم اللّه قلمي هذا ليوقننّ الكلّ بأنّ سموات العلم مطويّات بيمينه وأرض الحكمة منجعلة بإذنه وكلّ من بدايع علمه يستعلمون

ثمّ اعلم بأنّ أوّل ما حدث من محدث القديم في عوالم الخلق هي العناصر الأربعة هي النّار والهواء والماء والأرض كما أنتم سمعتم من قبل وحينئذ تسمعون إذا ظهرت اسطقسات الأربعة الّتي هي الحرارة والرّطوبة والبرودة واليبوسة كما أنتم تعدون وتعلمون فلمّا تمزّجت وتزّوجت ظهرت لكلّ واحد منها ركنين للنار الحرارة واليبوسة وكذلك في ثلاثة الباقية أنتم بهذه القواعد فاعرفون وبها خلق اللّه كلّما في عوالم الخلق من العلويات والسّفليات وكلّما اعتدلت طبايعه يبقى على الزّمان كما أنتم في الشّمس والقمر تشهدون وما لا اعتدلت طبايعه يفنى عن قريب كما أنتم في خلق عوالم السّفلى تنظرون

إِذًا فاجهد حتّى تعرف أشياء المعتدلة من المعادن وإنّها أسهل تدبيرًا في العمل إن أنتم بها توفّقون لأنّ الأمر لم يكن إلّا من تفصيل وتطهير وتزويج وهذا من حقّ الّذي كلّ الأنبياء به ينطقون وإنّك إذا عرفت أسّ الطّبيعة من معدن الإلهيّة خذ منها على قدر حاجتك ثمّ قطرها بماء الحيّ الّذي يكون في طبعها ويكون أقرب الأشياء بها ولها حتّى يصير هذا الأسّ بيضاء نقية ثمّ سلّط عليها الماء وضعها في النّدى حتّى يحلّ من هذا الأسّ على قدر مقدور وإن تحل هذه الأرض هذا الرّوح ثمّ بعد ذلك فاجعله في العميا حتّى يمزج ويصير شيئًا واحدًا ثمّ تعقده على النّار الخفيفة وإن تفعل ذلك مرّتين أو أزيد أي في العقد والحل ذلك أقرب بالحقّ لو أنتم تفعلون وإن لن تقدر سلّط هذا الماء على هذه الأرض ثمّ اجعلها في الحل حتّى يصير هذا الماء بيضاء نقيّة ثمّ شمّع بهذا الماء هذه الأرض لتصلوا إلى غاية ما أنتم تريدون ثمّ حللها بعد التّشميع لأنّ منتهى التّشميع كان أوّل مقام الحل ثمّ بعد الحل أنتم تعقدون إِذًا يتم عمل القمر وتشهدون قدرة اللّه برأي العين إن أنتم بما قرّرنا في هذا اللّوح تعلمون ثمّ بعد ذلك تعملون لأنّ العلم قبل العمل إيّاكم ثمّ إيّاكم يا ملأ البيان قبل علمكم بكلّ ما علّمناكم لا تباشرون وهذا نصحي عليكم فاسمعوه إن أنتم في مناهج الحقّ تريدون أن تسلكون

ثمّ اعلم بأنّ الأسّ قد يطلق على هذا الماء لأنّ الماء هي الأصل في الأعمال ومنه يكون الدّهن الصّافي الّذي من تدهن به لن يحترق أبدًا وهذا من ماء الّذي به يحيي اللّه الأرض بعد موتها ويظهر حكم النّشور ومن الأنبياء الحكماء بعضهم اكتفوا بهذا الماء في هذا العمل وخرجوا به ما أرادوا من الغاية القصوى وهذا من علم حقّ مكتوم ويعرف ذلك من امتحن اللّه قلبه بالإيمان وعلّمه اللّه من الزّيبق وحده وهذا الكنز كان بختام اللّه لمختوم وإن تريدوا عمل الشّمس في الذّهب فارجعوا إلى هذا الجسد من الدّهن الصّافي الّذي علّمناكم من قبل وسمّيناه ذهب القوم وكبريت الحيّ إذا أنتم في فعله تتحيّرون

فواللّه ذكرنا لك كلّ الأعمال وألقيناك ما لن توفق بعلمه أحد من قبل وأنتم تشهدون بأرواحكم وأنفسكم بذلك إن تعرفون وذكرنا لك في تلويح الإشارات ميزان الطّبيعي الّذي من ظفر به فقد ظفر بالغاية القصوى في هذه الحكمة الرّبّانيّة وهذه الموهبة الإلهيّة إن أنتم تفقهون ثمّ نلقي عليك حينئذ ما يغنيك عن الّذينهم في الأرض بهذه الصّنعة يشتغلون فاعلم بأنّك إذا عرفت بأنّ الأمر لم يكن إلّا مِن الزّيبق والكبريت ثمّ عرفتهما في الشّمس والقمر اللّذان هما الذّهب والفضّة فاعرف بأنّ الملح مليح في تحليل الأجساد بحيث لن تجدوا أحسن منه للذهب لو أنتم في كلّ الأشياء تفحصون لأنّ في نفس طبعها مناسبة كلّية الّتي لا يتمّ بالقلم لو أنتم بدوام عمركم تكتبون وإنّك لو تجد هذا الملح من معدنه وتقطّره وتحلّل به كلّ سرّ الّذي كان منه ويتولّد عنه حتّى يكون نفسا واحدة ودهنا ثابتة فو اللّه لتصل إلى ذروة العلم والمعلوم لأنّ في الأملاح سرّ أسرار الحقيقة المستورة كالعلوم النّهاية الّتي كانت في قلوب الصّافية أفلا تشهدون وهذا من حقّ اليقين الّذي كلّ النّاس من فقدانه في واد الجهل ليهيمون كذلك يغنّ ورقاء العلم على أفنان الحكمة بألحان جذب محبوب واكتفينا بذلك وأخاف فيما كشفنا لكم الأمر بإشارات قدس مشهود ولكن لن يصل أحد بذلك إلّا بحبّ اللّه وأوليائه وهذا ما يعظكم بهذا القلم الأعلى في هذه الألواح المعدود ولكن إنّكم لو تسمعون منّي فاطلبوا من اللّه ما يغنيكم من الذّهب والفضّة فواللّه هذه لغاية الأمر لو أنتم تسمعون لأنّ الذّهب والفضّة لن يغني أحدًا بل يزداد في الفقر كما أنتم تشهدون ولكن بما دعوناكم به يغنيكم من كلّ من في السّموات والأرض لو أنتم بخيط الأمر في هذا القول متمسّكون

ثمّ اعلم بأنّ هذا الألف نزل في أوّل الفرقان وإنّا فسّرناه لك بإشارات الّتي تذهل عنها العقول قد خلق من ألف الّذي نزل في البيان من لدى اللّه العليّ المهيمن القيّوم بل معدوم عنده لو أنتم في أسراره تتفكّرون وفي مقام كان نفسه وذاته لو أنتم في سرادق التّوحيد تدخلون وبذلك فاعرف مقام الألف القائمة المستقيمة في يوم الّذي يبعث فيه جواهر العلم في نقطة قدس موعود ويأتي من يظهره اللّه على سحاب العلم والقدرة وعن يمينه ملائكة الأمر إذًا كلّ من في الأرض من صاعقة اليوم ينصعقون ويتزلزل فيه أركان الخلائق وكلّ من سطوة أمر اللّه مضطربون فهنيئًا للذينهم يفوزون بجماله ثمّ في جنّة القدس بين يديه يدخلون وحينئذ إِذا حكموا بشيء لن يقولوا لِمَ أو بِمَ ثمّ بما أمروا في الحين يسرعون ولن يخافوا من ملأ البيان وهم كالرّضيع إلى ثدي رحمة اللّه يركضون ولن يلتفتوا بشيء ولا يخافون من أحد ولو يمنعهم كلّ من في البيان أو ملل أخرى إذا هم لا يمنعون ولا يلتفتون بشيء ولا يفتحون عيناهم على أحد لأنّهم إلى صرف الجمال ينظرون

إذًا نسئل اللّه بأن يجعلنا وإيّاكم من الطّائفين في حوله والحاضرين في بساطه والمستشهدين بين يديه إذ إنّه لهو القادر المعطي العزيز المحبوب

OV